التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٧٩ - التخلص و الاقتضاب و فصل الخطاب
إبراهيم عليه السّلام كلامه مع المشركين، حين سألهم أولا عمّا يعبدون، سؤال مقرّر لا سؤال مستفهم. ثم أنحى على آلهتهم فأبطل أمرها بأنها لا تضرّ و لا تنفع، و لا تبصر و لا تسمع، و على تقاليد آبائهم الأقدمين فكسّره، و أخرجه من أن يكون شبهة، فضلا عن أن يكون حجّة. ثمّ أراد الخروج من ذلك إلى ذكر الإله الذي لا تجب العبادة إلّا له، و لا ينبغي الرجوع و الإنابة إلّا إليه، فصوّر المسألة في نفسه دونهم بقوله: فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي على أني فكّرت في أمري فرأيت عبادتي لها عبادة لعدوّ و هو الشيطان فاجتنبتها، و آثرت عبادة من الخير كلّه في يده و أراهم بذلك أنّها نصيحة ينصح بها نفسه، لينظروا فيقولوا: ما نصحنا إبراهيم إلّا بما نصح به نفسه، فيكون ذلك أدعى لهم الى القبول لقوله، و أبعث على الاستماع منه. و لو قال: فانّهم عدوّ لكم، لم يكن بتلك المثابة. فتخلّص عند تصويره المسألة في نفسه إلى ذكر اللّه تعالى، فأجرى عليه تلك الصفات العظام، من تفخيم شأنه و تعديد نعمه، من لدن خلقه و أنشأه، إلى حين وفاته. مع ما يرجّى في الآخرة من رحمته. ليعلم من ذلك أنّ من هذه صفاته حقيق بالعبادة، واجب على الخلق الخضوع له و الاستكانة لعظمته.
ثم خرج من ذلك إلى ما يلائمه و يناسبه، فدعا اللّه بدعوات المخلصين، و ابتهل إليه ابتهال الأوّابين. لأنّ الطالب من مولاه اذا قدّم- قبل سؤاله و تضرّعه- الاعتراف بالنعمة كان ذلك أسرع للإجابة، و أنجح لحصول الطلبة.
ثمّ أدرج في ضمن دعائه ذكر البعث و يوم القيامة، و مجازاة اللّه تعالى من آمن به و اتّقاه بالجنة، و من ضلّ من عباده النار. فجمع بين الترغيب في طاعته و الترهيب من معصيته.
ثمّ سأل المشركين عمّا كانوا يعبدون سؤالا ثانيا عند معاينة الجزاء، و هو سؤال موبّخ لهم مستهزئ بهم. و ذكر ما يدفعون إليه عند ذلك من الندم و الحسرة