التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٧٦ - التخلص و الاقتضاب و فصل الخطاب
التخلّص و الاقتضاب و فصل الخطاب
من بديع البيان و ظريفه حسن التخلّص، و هو قدرة كلامية قلّ من توفّق لها في ظرافة و براعة كظرافة القرآن و براعته[١].
و هو: أن يأخذ المتكلّم في معنى من المعاني، فبينا هو فيه إذ أخذ في معنى آخر غيره، بلطف و رفق، و كأنما الأوّل مدرج إليه أو سبب من الأسباب المؤاتية له. و بذلك يكون الكلام كلّه آخذا بعضه برقاب بعض، و كأنما أفرغ إفراغة واحدة. الأمر الذي يدلّ على حذق المتكلّم و قوّة تصرّفه في مجاري الألفاظ و المعاني. فتراه ينتقل من موضوع إلى موضوع آخر من غير أن يقطع كلامه أو يستأنف كلاما جديدا. على عكس «الاقتضاب» الذي هو القطع و الاستئناف، و قد كان مذهب العرب الأوائل و من يليهم من المخضرمين.
فخالفهم القرآن و أتى بطريقة جديدة في الانتقال من غير قطع و لا استئناف و هي طريقة بديعة تأخذ بمشاعر السامع في شتّى المذاهب من غير أن يشعر بالتصرّف و الانتقال، في رفق و لين و سحر بيان.
[١] هذا البحتري، فإنّ مكانه من الشعر لا يجهل، و شعره هو السهل الممتنع الذي تراه كالشمس قريبا ضوؤها بعيدا مكانها، و هو على الحقيقة قينة الشعراء في الإطراب، و عنقاؤهم في الاغراب. و مع هذا فإنه لم يوفّق في التخلّص من الغزل الى المديح، بل اقتضبه اقتضابا. قال ابن الأثير: و لقد حفظت شعره فلم أجد له من ذلك شيئا مرضيا إلّا اليسير.( المثل السائر: ج ٣ ص ١٢٦).