التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٧٠ - إيجاز قصر
قال ابن الأثير: و الإيجاز هو أن لا يمكنك أن تسقط شيئا من ألفاظه[١].
و الآيات الواردة من هذا الضرب كثيرة كقوله تعالى: فَمَنْ جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهى فَلَهُ ما سَلَفَ[٢].
ما أجمل هذا الكلام و أكمله و أوفاه، في حين و جازته البالغة.
فقوله: فَلَهُ ما سَلَفَ من جوامع الكلم، و معناه: أنّ خطاياه الماضية قد غفرت له، و تاب اللّه عليه فيها. إلّا أنّ قوله: «فله ما سلف» أبلغ ... أي أنّ السالف من ذنوبه لا يكون عليه إنما هو له أي موهوب له.
و كذلك ورد قوله: مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ[٣].
فقوله: فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ كلمة جامعة، تغني عن ذكر ضروب من العذاب، لأنّ من أحاط به كفره فقد أحاطت به كل خطيئته.
و على نحو من هذا جاء قوله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَ الْإِحْسانِ وَ إِيتاءِ ذِي الْقُرْبى وَ يَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَ الْمُنْكَرِ وَ الْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ[٤].
فهذه الآية من جوامع الآيات الواردة في القرآن الكريم، الباهرة البالغة أعلى درجات الإعجاز، المثيرة للإعجاب!
روي أنّ النبي (صلّى اللّه عليه و آله) قرأها على الوليد بن المغيرة، فقال له: يا ابن أخي أعده. فأعاد النبي (صلّى اللّه عليه و آله) قراءتها عليه. فقال له: إنّ له لحلاوة، و إنّ عليه لطلاوة، و إنّ أعلاه لمثمر، و إن أسفله لمغدق، و ما
[١] المثل السائر: ج ٢ ص ٣٤٨.
[٢] البقرة: ٢٧٥.
[٣] فاطر: ٣٩.
[٤] النحل: ٩٠.