التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٦٤ - أنواع الحذف
و هي صحراء قاحلة أكثر أحوالها حارّة تهبّ فيها أرياح سامّة، فهم بما يقيهم من سموم الحرّ أحوج منهم لبرد القرّ.
و من هذا الباب أيضا قوله: بِيَدِكَ الْخَيْرُ[١] أي و الشر، و إنّما ترك لعدم مناسبته في ظاهر النسبة إلى المولى الكريم. و لأنّ الخير هو مطلوب العباد و مرغوبهم لديه تعالى. و قيل: لأنّ الخير هو الأكثر وجودا في العالم.
و قوله: فَمَنْ رَبُّكُما يا مُوسى[٢] فترك هارون، لأنّ الخطاب كان مع موسى (عليه السّلام) الثالث: ما يسمّى بالاحتباك. و هو من ألطف أنواعه و أبدعها. و قلّ من تنبّه له، أو نبّه عليه من أهل البلاغة. قال البقاعي: و هو نوع عزيز، هو: أن يحذف من أول الكلام ما اثبت نظيره في مؤخّره، أو من آخر الكلام ما اثبت نظيره في أوله. و منه في القرآن ألطفه.
مثاله من محذوف الأول قوله تعالى: وَ مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ إِلَّا دُعاءً وَ نِداءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ[٣]. أي و مثل الذين يدعون إلى الحقّ مع الذين كفروا كمثل الذي ينعق بالبهائم.
قال الزمخشري: لا بدّ من مضاف محذوف، تقديره: و مثل داعي الذين كفروا كمثل الذي ينعق ... و المعنى: و مثل داعيهم إلى الإيمان- في أنهم لا يسمعون من الدعاء إلّا جرس النغمة و دويّ الصوت، من غير إلقاء في أذهان و لا استبصار- كمثل الناعق بالبهائم.
و قد تكون الآية ممّا حذف فيه المؤخّر، ليكون التقدير: و مثل الذين كفروا
[١] آل عمران: ٢٦.
[٢] طه: ٤٩.
[٣] البقرة: ١٧١.