التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٦٣ - أنواع الحذف
أبلغها و أوفاها، بل ألطفها و أبهاها، و هي أربعة أنواع:
أحدها: ما يسمّى بالاقتطاع، و هو حذف بعض أحرف الكلمة، تخفيفا و تسهيلا في الأداء أو لرعاية المناسبة و فواصل رءوس الآي و أنكر بعضهم وقوع هذا النوع في القرآن! و ردّ بأنّ بعضهم جعل الحروف المقطّعة في فواتح السور منه، باعتبار اقتطاعها من أسمائه تعالى. و كذا في قراءة بعضهم: و نادوا يا مال[١] بالترخيم ... و قد سمعها بعض أهل الظرف فقال:
ما أغنى أهل النار عن الترخيم؟![٢] قلت: و الأحسن التمثيل بقوله تعالى: وَ اللَّيْلِ إِذا يَسْرِ[٣].
و قد سأل السدوسيّ الأخفش عن هذه الآية، فقال: عادة العرب أنّها اذا عدلت بالشيء عن معناه نقصت حروفه. و الليل لمّا كان لا يسري، و إنما يسرى فيه، نقص منه حرف، كما قال تعالى وَ ما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا[٤].
الاصل: بغيّة، فلمّا حوّل عن «فاعل» نقص منه حرف[٥].
و هكذا نون لَمْ يَكُ ...[٦] و واو سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ ...[٧]. و ياء الْكَبِيرُ الْمُتَعالِ ...[٨] و أمثال ذلك.
الثاني: ما يسمّى بالاكتفاء، و هو أن يقتضي المقام ذكر شيئين بينهما تلازم و ارتباط، و إن كان هو تناسب الضدّ مثلا، فيكتفي بذكر أحدهما و يترك الآخر، لمعلوميّته أولا، و لنكتة ثانيا، كما في قوله تعالى: سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ[٩] أي و البرد. و خصّص ذكر الحرّ، لأنّ الخطاب مع عرب البادية،
[١] الزخرف: ٧٧.
[٢] معترك الأقران: ج ١ ص ٣١٩.
[٣] الفجر: ٤.
[٤] مريم: ٢٨.
[٥] معترك الاقران: ج ١ ص ٣٠٧.
[٦] الأنفال: ٥٣.
[٧] العلق: ١٨.
[٨] الرعد: ٩.
[٩] النحل: ٨١.