التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٥٤ - أنحاء الإيجاز بحذف الجمل و هي أربعة ضروب
وَ حَرَّمْنا عَلَيْهِ الْمَراضِعَ مِنْ قَبْلُ فَقالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَ هُمْ لَهُ ناصِحُونَ. فَرَدَدْناهُ إِلى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها[١].
لأنّها لمّا قالت: «هل أدلكم ...» قالوا: نعم، فدلّتهم على امرأة فجيء بها، و هي امّه، و لم يعلموا بها، فأرضعته، فكان قوله: «فرددناه ...» تعقيبا على ذلك المحذوف و دليلا عليه.
و ممّا يجري على هذا المنهج قوله تعالى في قصّة سليمان (عليه السّلام) مع الهدهد في إرساله بالكتاب إلى بلقيس: قالَ سَنَنْظُرُ أَ صَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكاذِبِينَ. اذْهَبْ بِكِتابِي هذا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ ما ذا يَرْجِعُونَ قالَتْ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ[٢].
تقديره: فأخذ الكتاب، و ذهب به، فلمّا ألقاه إلى المرأة و قرأته قالت ...
قال: و من الإيجاز بحذف الجمل ما يعسر تقدير المحذوف منه، بخلاف ما جاء في القرآن الكريم، أ لا ترى أنّ الآيات المذكورة كلها إذا تأمّلتها وجدت معانيها متّصلة من غير تقدير للمحذوفات التي قدّرنا الحذف فيها، انتظاما لظاهر نظم الكلام، على أنّ تقدير تلك المحذوفات سهل ببديهة النظر[٣].
أنحاء الإيجاز بحذف الجمل و هي أربعة ضروب
الجمل المقدّرة حذفها قد تكون مستقلّة بالإفادة و تامّة، و اخرى غير تامّة كجملة الشرط أو الجزاء و نحو ذلك. و القسم الأول خاصّ بالقرآن، و هو أدلّ على حسن الاختصار، قال ابن الأثير[٤]: و هذا أحسن المحذوفات جميعها، و لا تكاد تجده إلّا في كتاب اللّه العزيز الحميد، و سائر الكلام خلو منه البتة، فكان
[١] القصص: ١٢ و ١٣.
[٢] النمل: ٢٧- ٢٩.
[٣] المثل السائر: ج ٢ ص ٢٩١.
[٤] المثل السائر: ج ٢ ص ٢٨٠.