التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٥٣ - إيجاز حذف
و أبرع الإيجاز ما كان بحذف الجمل التامّة، هي أسئلة مقدّرة أو تعاليل و أسباب و مسبّبات أو غير ذلك ممّا فصّله علماء البيان[١].
من ذلك قوله تعالى: قالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَباً فَما حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ. ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذلِكَ سَبْعٌ شِدادٌ يَأْكُلْنَ ما قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ. ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذلِكَ عامٌ فِيهِ يُغاثُ النَّاسُ وَ فِيهِ يَعْصِرُونَ. وَ قالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ[٢].
فكان قوله «و قال الملك ...» واقعا بعد تقدير جمل، كأنّه قال: فرجع الرسول إليهم، فأخبرهم بمقالة يوسف، فعجبوا لها، و قال الملك ...
قال ابن الأثير: و المحذوف إذا كان كذلك دلّ عليه الكلام دلالة ظاهرة، لأنّه إذا ثبتت حاشيتا الكلام و حذف وسطه ظهر المحذوف ظهورا تامّا.
و هكذا ورد قوله تعالى: فَلَمَّا أَنْ جاءَ الْبَشِيرُ أَلْقاهُ عَلى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيراً قالَ أَ لَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ. قالُوا يا أَبانَا اسْتَغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا إِنَّا كُنَّا خاطِئِينَ. قالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ فَلَمَّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ آوى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَ قالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ[٣].
فقد حذف من هذا الكلام جملة، تقديرها: ثم إنهم تجهّزوا و ساروا إلى مصر، فلمّا دخلوا على يوسف ...
قال: و قد ورد من هذا الضرب (الإيجاز بحذف الجمل) في القرآن الكريم كثيرا، كقوله تعالى:
[١] راجع المثل السائر: ج ٢ ص ٢٨١.
[٢] يوسف: ٤٧- ٥٠.
[٣] يوسف: ٩٦- ٩٩.