التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٥٢ - إيجاز حذف
إلى غيرها من آيات تنم عن سفه أحلام المجرمين، و قد ألحدوا في آياته فقد جاء قوله تعالى- في الآية- ردّا على سفههم في استعجال العذاب: ما ذا يستعجل هؤلاء؟ أ يستعجلون الشرّ؟ و هل ذاك في صالحهم لو يعجّل اللّه لهم بالشرّ؟ ... فكانت الآية في نظمها الطبيعي مسوقة في ثلاثة مقاطع:
أولا: لو كانت سنّة اللّه أن يعجّل للناس الشرّ إذا استعجلوه كاستعجالهم بالخير لعجّل لهم بالشرّ كما يعجّل لهم بالخير.
ثانيا: لكن سنّته تعالى جرت بإمهال الظالمين حتى يحين حينهم.
ثالثا: فعلى وفق هذا النظام الرتيب يترك الظالمون و شأنهم في هذه الحياة حتى يأتي يومهم الموعود.
تلك جمل ثلاث كان الكلام في وضعه العادي مؤتلفا منها، اثنتان مقدّمتان، و الثالثة هي النتيجة، على شكل برهان. لكن القرآن اقتصر على الجملة الاولى و الأخيرة، طاويا ذكر الثانية الوسطى، و التي كانت جملة استدراكية حسب الترتيب المنطقي المألوف.
و بعد، أ فهل يحسّ بنقص في الكلام، أو بخلل في نظمه و تأليفه؟ أم هو كلام واحد منسجم تمام الانسجام و واف بإفادة الغرض من الكلام تمام الإيفاء؟
و لعلّك عرفت البديل من المحذوف المطويّ، هي دلالة «لو» الامتناعية في صدر الكلام و «فاء» النتيجة في ذيله. و هذا البديل أغنى عن ذكر المحذوف، و لعلّه أنساه من طيّ الكلام بالمرّة، و لو ذكر لكان حشوا.
و من ثمّ عيب على بيت الحماسي قوله:
|
و لو طار ذو حافر قبلها |
لطارت و لكنه لم يطر |
|
إذ لا حاجة إلى ذكر الاستثناء بعد وضوحه و دلالة الكلام عليه.