التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٣٩ - حد الالتفات و فائدته
لمعان اختصّت بها، يعرفها من يعرفها، و يجهلها من يجهلها[١].
و ممّا ينخرط في هذا السلك، الرجوع من خطاب الغيبة إلى خطاب النفس، كقوله تعالى: ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَ هِيَ دُخانٌ فَقالَ لَها وَ لِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ. فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَ أَوْحى فِي كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها وَ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وَ حِفْظاً ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ[٢].
و الفائدة في هذا العدول: أنّ طائفة من الناس غير المتشرّعين كانوا يعتقدون أنّ النجوم ليست في سماء الدنيا، و أنها ليست حفظا و رجوما. فلمّا صار الكلام إلى هنا عدل إلى خطاب النفس لأنّه مهمّ من المهمّات، فناسبه التعزيز بالاستناد إلى النفس- و هو القادر الحكيم- و من ثمّ عاد إلى الوصف بالعزّة و العلم توكيدا.
و أيضا ممّا ينخرط في هذا السلك العدول من خطاب النفس إلى خطاب الجماعة، كقوله تعالى: وَ ما لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ[٣] و إنّما صرف الكلام عن خطاب نفسه إلى خطابهم لأنّه أبرز الكلام لهم في معرض المناصحة و هو يريد مناصحتهم ليتلطّف بهم و يداريهم، لأنّ ذلك أدخل في إمحاض النصح، حيث لا يريد لهم إلّا ما يريد لنفسه. فقد وضع «و ما لي لا أعبد ...» مكان: و ما لكم لا تعبدون الذي فطركم. بدليل «و إليه ترجعون» و لو لا ذلك لقال: و إليه أرجع. و قد ساق الكلام ذلك المساق البديع إلى أن قال: إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ[٤].
[١] المثل السائر: ج ٢ ص ١٧٦.
[٢] فصّلت: ١٢.
[٣] يس: ٢٢.
[٤] يس: ٢٥.