التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٣٨ - حد الالتفات و فائدته
إلى خطاب النفس كان لتخصيص القدرة، و أنّه غير مستطاع لغيره تعالى، و هكذا هنا، إرادة لتخصيص هذا الحكم بالنبي (صلّى اللّه عليه و آله) دون غيره.
و ممّا جاء من الالتفات مرارا على قصر متنه و تقارب طرفيه قوله تعالى:
سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ.
فقال أولا: «سبحان الّذي أسرى» بلفظ الواحد، ثمّ قال: «الّذي باركنا» بلفظ الجمع، ثمّ قال: إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ و هو خطاب غائب.
و لو جاء الكلام على مساق الأول لكان: سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي بارك حوله ليريه من آياته إنه هو السميع البصير. و هذا جميعه يكون معطوفا على «أسرى»، فلمّا خولف بين المعطوف و المعطوف عليه في الانتقال من صيغة إلى صيغة كان ذلك اتساعا و تفنّنا في أساليب الكلام، و لمقصد آخر معنوي هو أعلى و أبلغ.
و قد أسهب ابن الاثير الكلام هنا و أبدع و أجاد، فلنتتبّع مقاله:
قال: و سأذكر ما سنح لي في هذه الآية الكريمة:
لمّا بدأ الكلام ب «سبحان» ردفه بقوله: «الذي أسرى» إذ لا يجوز أن يقال: الذي أسرينا. فلمّا جاء بلفظ الواحد- و اللّه تعالى أعظم العظماء، و هو أولى بخطاب العظيم في نفسه الذي هو بلفظ الجمع استدرك الأول بالثاني، فقال:
«باركنا». ثمّ قال: «إنه هو» عطفا على «أسرى»، و ذلك موضع متوسّط الصفة، لأنّ السمع و البصر صفتان يشاركه فيهما غيره، و تلك حال متوسّطة فخرج بهما عن خطاب العظيم في نفسه إلى خطاب غائب.
فانظر إلى هذه الالتفاتات المترادفة في هذه الآية الواحدة، التي جاءت