التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٣٦ - حد الالتفات و فائدته
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ. إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَ إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ. اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ. صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَ لَا الضَّالِّينَ.
هذا رجوع من الغيبة إلى الخطاب. و ممّا يختصّ به هذا الكلام من الفوائد قوله: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَ إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ بعد قوله: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ فإنّه إنما عدل فيه من الغيبة إلى الخطاب لأنّ الحمد دون العبادة، أ لا تراك تحمد نظيرك و لا تعبده! فلمّا كانت الحال كذلك استعمل لفظ الحمد لتوسّطه مع الغيبة في الخبر، فقال: «الحمد للّه»، و لم يقل: الحمد لك. و لمّا صار إلى العبادة- التي هي أقصى الطاعات- قال: إِيَّاكَ نَعْبُدُ فخاطب بالعبادة إصراحا بها، و تقرّبا منه عزّ اسمه بالانتهاء إلى محدود منها.
و على نحو من ذلك جاء آخر السورة، فقال: صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ فأصرح موضع التقرّب من اللّه بذكر نعمه، فلمّا صار إلى ذكر الغضب جاء باللفظ منحرفا عن ذكر الغاضب، فأسند النعمة إليه لفظا، و زوى عنه لفظ الغضب تحنّنا و لطفا.
فانظر إلى هذا الموضع و تناسب هذه المعاني الشريفة التي الأقدام لا تكاد تطأها، و الأفهام مع قربها صافحة عنها.
و هذه السورة قد انتقل في أولها من الغيبة إلى الخطاب لتعظيم شأن المخاطب.
ثمّ انتقل في آخرها من الخطاب إلى الغيبة لتلك العلّة بعينها، و هي تعظيم شأن المخاطب أيضا، لأنّ مخاطبة المولى تبارك و تعالى بإسناد النعمة إليه تعظيم لخطابه، و كذلك ترك مخاطبته بإسناد الغضب إليه تعظيم لخطابه.
فينبغي أن يكون صاحب هذا الفنّ من الفصاحة و البلاغة عالما بوضع أنواعه في مواضعها على اشتباهها.