التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٣٥ - حد الالتفات و فائدته
مواقعه بفوائد[١].
و تنظّر ابن الأثير في هذا التبرير، قال: لأنّ الانتقال في الكلام إذا كان لأجل تطرية نشاط السامع فإنّ ذلك يدلّ على أنه يملّ من اسلوبه فيضطرّ إلى الانتقال إلى غيره ليجد نشاطا للاستماع. و هذا قدح في الكلام لا وصف له، إذ لو كان حسنا لما ملّ. على أن هذا لو سلّم لكان في مطنب مطوّل، لا في مثل الالتفاتات الواقعة في تعابير موجزة و آيات قصيرة من الذكر الحكيم.
فلعلّ المقصود: هو مجرّد الانتقال من اسلوب إلى اسلوب، ليكون نفس هذا هو المطلوب لا الانتقال إلى الأحسن. الأمر الذي ليس يذهب على مثل الزمخشري العارف بفنون الفصاحة و البلاغة.
قال: و الوجه عندي أنّ الانتقال لا يكون إلّا لفائدة اقتضته، و تلك الفائدة أمر وراء الانتقال، و هي لا تحدّ بحدّ، و لا تضبط بضابط، لكن يشار إلى مواضع منها، ليقاس عليها غيرها. فإنّا قد رأينا الانتقال من الغيبة إلى الخطاب قد استعمل لتعظيم شأن المخاطب. ثم رأينا ذلك بعينه- و هو ضدّ الأول- قد استعمل في الانتقال من الخطاب إلى الغيبة. فعلمنا أنّ الغرض الموجب لاستعمال هذا النوع من الكلام لا يجري على وتيرة واحدة، و إنما هو مقصور على العناية بالمعنى المقصود، و ذلك المعنى يتشعّب شعبا كثيرة لا تنحصر، و إنما يؤتى بها على حسب الموضع الذي ترد فيه[٢]. ثم جعل يوضّح حقيقة ما في هذا الباب بضرب الأمثلة التالية:
فأمّا الرجوع من الغيبة إلى الخطاب فكقوله تعالى- في سورة الفاتحة-:
[١] تفسير الكشاف: ج ١ ص ١٤.
[٢] المثل السائر: ج ٢ ص ١٧٣.