التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٣٣ - الالتفات أو التفنن في اسلوب الخطاب أم هو كر و فر و تجوال، و مداورة بعنان الكلام بل هي فروسة العربية و شجاعة البيان
ثمّ إذا انتقل على نحو الافتتاح إلى قوله: «ربّ العالمين» واصفا له بكونه ربّا مالكا للخلق، لا يخرج شيء من ملكوته و ربوبيّته، أ فترى ذلك المحرّك لا يقوى؟
ثم إذا قال: الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ فوصفه بما ينبئ عن كونه منعما على الخلق بأنواع النعم، جلائلها و دقائقها، مصيبا إيّاهم بكل معروف، أ فلا تتضاعف قوّة ذلك المحرّك عند هذا؟
ثمّ إذا آل الأمر إلى خاتمة هذه الصفات، و هي مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ المنادية على كونه مالكا للأمر كله في العاقبة يوم الحشر للثواب و العقاب، فما ظنّك بذلك المحرّك، أ يسع ذهنك أن لا يصير إلى حدّ يوجب عليك الإقبال على مولى، شأن نفسك معه منذ افتتحت التحميد ما تصوّرت، فتستطيع أن لا تقول:
«إيّاك، يا من هذه صفاته، نعبد و نستعين، لا غيرك» فلا ينطبق على المنزل على ما هو عليه؟
و أخيرا قال: و اعلم أنّ لطائف الاعتبارات المرفوعة لك في هذا الفن، من تلك المطامح النازحة من مقامك لا تثبتها حقّ إثباتها، ما لم تمتر بصيرتك في الاستشراف لما هنالك أطياء المجهود، و لم تختلف في السعي للبحث عنها وراءك كل حدّ معهود ... و علماء هذه الطبقة الناظرة بأنواع البصائر، المخصوصون بالعناية الإلهية المدلّلون بما اوتوا من الحكمة و فصل الخطاب.
على أنّ كلام ربّ العزّة- و هو قرآنه الكريم و فرقانه العظيم- لم يكتس تلك الطلاوة، و لا استودع تلك الحلاوة، و ما أغدقت أسافله، و لا أثمرت أعاليه، و ما كان بحيث يعلو و لا يعلى، إلّا لانصبابه في تلك القواليب، و لوروده على تلك الأساليب[١].
[١] مفتاح العلوم( آخر الفن الثاني من علم المعاني) ص ٩٥- ٩٨.