التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٢٩ - حكمة الكناية و فوائدها
قضى اللّه نجاته. و عدل عن لفظ ذلك إلى الارداف، لما فيه من الإيجاز و التنبيه على أنّ هلاك الهالك و نجاة الناجي كان بأمر آمر مطاع، و قضاء من لا يردّ قضاؤه، و الأمر يستلزم آمرا، فقضاؤه يدلّ على قدرة الآمر به و قهره، و أنّ الخوف من عقابه و رجاء ثوابه يحضّان على طاعة الآمر، و لا يحصل ذلك كله من اللفظ الخاص.
و كذا قوله: اسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِ[١]. حقيقة ذلك: جلست، فعدل عن اللفظ الخاصّ بالمعنى إلى مرادفه، لما في الاستواء من الإشعار بجلوس متمكّن لا زيغ فيه و لا ميل، و هذا لا يحصل من لفظ الجلوس.
و كذا قوله: فِيهِنَّ قاصِراتُ الطَّرْفِ[٢]، أي عفيفات، و عدل عنه للدلالة على أنّهن مع العفّة لا تطمح أعينهنّ إلى غير أزواجهنّ، و لا يشتهينّ غيرهم. و لا يؤخذ ذلك من لفظ العفّة. قال بعضهم: و الفرق بين الكناية و الارداف أنّ الكناية انتقال من لازم إلى ملزوم، و الارداف من مذكور إلى متروك.
و من أمثلته أيضا: لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَساؤُا بِما عَمِلُوا وَ يَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى[٣] عدل في الجملة الاولى عن قوله «بالسؤى» مع أنّ فيه مطابقة كالجملة الثانية إلى «بما عملوا» تأدّبا أن يضاف السوء إلى اللّه تعالى[٤].
[١] هود: ٤٤.
[٢] الرحمن: ٥٦.
[٣] النجم: ٣١.
[٤] معترك الاقران: ج ١ ص ٢٨٧- ٢٩١.