التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٢١ - ٩ - لطيف كنايته و ظريف تعريضه
لحمه ميتا. فما أشدّ كراهته؟ فهذا مثله.
فالغيبة إذا شاعت فإنما هي قتل النفوس و تمزيق أعراضهم و هدم شخصيّاتهم. فما أبشعها و أشنعها من صنيع مكروه و مرفوض لدى العقلاء!! فانظر أيّها المتأمّل إلى هذه الكناية العجيبة تجدها من أبدع الكنايات و أعجبها و أدقّها تعبيرا و وفاء بمقصود الكلام.
و كذلك قوله تعالى: وَ أَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَ دِيارَهُمْ وَ أَمْوالَهُمْ وَ أَرْضاً لَمْ تَطَؤُها[١]. قال ابن الأثير: و الأرض التي لم يطئوها كناية عن مناكح النساء، و هو من حسن الكناية و نادرها.
و قوله تعالى: أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رابِياً وَ مِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَ الْباطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً وَ أَمَّا ما يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ[٢].
قال الزمخشري: هذا مثل ضربه اللّه للحقّ و أهله و الباطل و حزبه، فكنّى بالماء عن العلم، و بالأودية عن القلوب، و بالزبد عن الضلال.
إنّ الماء لينزل من السماء فتسيل به الأودية، كلّ بقدرها، و هو بطبيعة جريه و سيلانه يلمّ في طريقه غثاء، فيطفو على وجهه صورة زبد، هي الشكوك الحاصلة من تضارب الآراء و حجاج الخصوم. حتى ليحجب الماء أي الحقيقة في بعض الأحيان. و قد يكون هذا الزبد نافش راب منتفخ، ليبدو فخيما في شكله و ظاهر صورته، و لكنه في حقيقته غثاء. أمّا الماء من تحته فهو سارب ساكن
[١] الأحزاب: ٢٧.
[٢] الرعد: ١٧.