التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤١٣ - ٥ - تكنية و تخييل
الاستعارات المذكور فيها المشبّه به، لكن مع الاقتران بشيء من خصائص المشبّه به دليلا على التشبيه. فتقول: رأيت رجلا، و أنت قد توهّمته سبعا، فتلحق به قولك: يفترس أقرانه، فتذكر الافتراس دليلا على ذلك التشبيه المتوهّم.
و قد اصطلحوا على تسمية ذلك التشبيه المضمر بالاستعارة المكنّى عنها، و تسمية ما يقترن معها من خصائص المشبّه به دليلا على التشبيه بالاستعارة التخييلية. و من ثمّ كانت الاستعارتان متلازمتين.
و عدّوا هذا النوع من الاستعارة (التكنية و التخييل) من أبدع أنواع الاستعارات روعة و جمالا، حيث موضع ذلك التصوّر النفسي البديع. و كلما كان ما تصوّره الوهم أوفى بواقعية الأمر و أبلغ كانت الاستعارة أبهى و أجمل.
قال السكاكي: الاستعارة بالكناية أن تذكر المشبّه و تضيف إليه شيئا من لوازم المشبّه به على سبيل الاستعارة التخييلية. فتقول: مخالب المنيّة نشبت بفلان، طاويا لذكر المشبّه به، فقد شبّهت المنيّة بالسبع في اغتيال النفوس و انتزاع أرواحها بالقهر و الغلبة، من غير تفرقة بين نفّاع و ضرّار، و لا رقّة لمرحوم و لا بقيا على ذي فضيلة، تشبيها بليغا حتى كأنها سبع من السباع، فيأخذ الوهم في تصويرها في صورة السبع و اختراع ما يلازم صورته و يتمّ بها مشاكلته من أعضاء و جوارح، و على الخصوص ما يكون قوام اغتيال السبع للنفوس بها، و تمام افتراس الفرائس بها، من الأنياب و المخالب، ثم تطلق على مخترعات و همك أسامي من المتحقق، لتفيض عليها تلك الصورة الوهمية.
و هكذا إذا شبّهت الحال في دلالتها على أمر بإنسان يتكلم، فيعمل الوهم في الاختراع للحال ما يكون قوام التكلم به، و هو تصوير صورة اللسان، ثم تطلق عليه اسم اللسان المتحقق و تضيفه إلى الحال، قائلا: لسان الحال ناطق بكذا.
أو أن تشبّه ولاية أمر صادفتها واقعة تحت مشيئة امرئ، و تابعة لرأيه