التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٠٨ - ٢ - عامية و خاصية
الرأس، أو الشيب في الرأس. بل لا يوجب اللفظ حينئذ أكثر من ظهوره فيه في الجملة.
و وزان هذا، أن تقول «اشتعل البيت نارا» أو تقول «اشتعل النار في البيت». فكم بينهما من فرق؟
قال: و نظير هذا التنزيل قوله عزّ و جلّ: وَ فَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً[١]. التفجير للعيون في المعنى، و أوقع على الأرض في اللفظ، كما أسند هناك الاشتعال إلى الرأس، و قد حصل بذلك من معنى الشمول هاهنا مثل ما هناك. و ذلك أنه أفاد أنّ الأرض قد صارت كلها عيونا، و أنّ الماء يفور من كل جوانبها، أمّا لو قلنا: فجرنا عيون الأرض أو «العيون في الأرض» لزال هذا المغنى و زالت هذه الروعة في المبالغة القريبة[٢].
و نظيره في الروعة قوله تعالى- يصف العلاقة الجنسية بأرفع اسلوب و بكلمة رقيقة مهذّبة فريدة لا تجد لها مثيلا و لا بديلا-: فَلَمَّا تَغَشَّاها حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفاً فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُما لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحاً لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ[٣].
إنها استعارة من أبدع الاستعارات و أرفعها تعبيرا عن أمر يقبح التصريح به، كلمة رقيقة مهذّبة، لم تعرفها العرب من ذي قبل، فجاءت طريفة في نوعها و ظريفة في اسلوبها[٤].
فقد استعير التغشّي كناية عن عمل جنسي، يشبع غريزة فطرية، و يحول
[١] القمر: ١٢.
[٢] دلائل الاعجاز: ص ٦٩- ٧٠.
[٣] الأعراف: ١٨٩.
[٤] راجع محاولة الاستاد مصطفى محمود، ص ١٧.