التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٠٥ - ٢ - عامية و خاصية
استعارة الأسد للرجل الشجاع أو الحاتم للجواد.
و هذا النوع من الاستعارة لا شأن لها عند البلغاء، اللّهمّ إلّا إذا حصل فيها تصرّف أخرجها عن الابتذال. كما في قول الشاعر: و سالت بأعناق المطى الأباطح»[١] فاستعار السيلان للسير الحثيث في سرعة مع سلاسة و لين، و هذا أمر معروف، لكنه أغرب في إسناد الفعل إلى الوادي و أدخل الأعناق في السير، فقد سالت بالأعناق الأباطح، دليلا على مزدحمها و تداوم حركتها، حيث السرعة أو البطء في سير الإبل إنما تظهر في أعناقها.
و أجمل منه قوله تعالى: أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رابِياً وَ مِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَ الْباطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً وَ أَمَّا ما يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ[٢] فقد استعير الماء الذي فيه الحياة للشريعة النازلة من السماء، و فيها سعادة الحياة. و شبّهت مختلف استعدادات الناس و مختلف مستوياتهم بمختلف متعرّجات الأودية و أغوارها و أبعادها. فتسيل في كلّ بقدرها و حسب طاقتها.
و الماء في بدء نزوله من السماء صاف ضاف، لكنه في سيره في منعطفات المسيل و متعرّجاته يحتمل معه أوساخا و أقذارا تطفو على وجه الماء زبدا رابيا، متراكما و متراكبا بعضه على بعض. هي ظلمات الشكوك و الجهالات، و هي التي تقع مطمح أهل القصور في النظر، و الهبوط في المستوى.
و هكذا أنواع المعادن و الجواهر تذاب و تذهب أدرانها. و يعلوها رغاف، غير
[١] صدره: اخذنا بأطراف الأحاديث بيننا ... و المطلع: قوله:
|
و لما قضينا من منى كل حاجة |
و مسّح بالأركان من هو ماسح |
|
[٢] الرعد: ١٧.