التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٠١ - الاستعارة في مدارج البلاغة
الحديث، «خير الناس رجل ممسك بعنان فرسه في سبيل اللّه، كلّما سمع هيعة طار إليها»
و الهيعة: صوت الفزع. فشبّه سرعة الحركة بطيران الطير، و استعير لها لفظه.
و كذا انقضاض الكواكب للفرس إذا أسرع في حركته من علوّ. و السباحة له إذا عدا عدوا شبيها بحالة السباحة في لين و سلاسة، و معلوم أنّ الطيران و الانقضاض و السباحة و العدو كلها جنس واحد من حيث الحركة، إلّا أنّهم نظروا إلى خصائص الأشياء في حركتها، فأفردوا كل حركة في نوعها باسم، و إذا وجدوا في بعض الأحوال شبها من حركة غير جنسه استعاروا له العبارة من ذلك الجنس.
و من هذا الضرب قوله تعالى: وَ مَزَّقْناهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ[١]، أي و فرّقناهم و التمزيق تفريق بين قطع الثوب، فاستعير لمطلق التفريق. و مثله أيضا قوله تعالى:
وَ قَطَّعْناهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَماً[٢]. أي فرّقناهم فيها، تشبيها بتقطيع الثوب و تفريق أجزائه[٣].
و منه عند السكاكي قوله تعالى: وَ اشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً[٤] شبّه الشيب بشواظ النار، في توقّده و إنارته. و شبّه انتشاره و انبساطه في الشعر باشتعال النار، فأخرج مخرج الاستعارة. قال الزمخشري: و من ثمّ فصحت هذه الجملة و شهد لها بالبلاغة[٥].
[١] سبأ: ١٩.
[٢] الأعراف: ١٦٨.
[٣] أسرار البلاغة: ص ٤١- ٤٤.
[٤] مريم: ٤.
[٥] الكشّاف: ج ٣ ص ٤، و مفتاح العلوم: ص ١٨٣.