التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٩٩ - الاستعارة المفيدة
و تقول: سللت سيفا على العدوّ، تريد رجلا ماضيا في نصرتك، أو رأيا نافذا و ما شاكل ذلك، فقد استعرت اسم الأسد للرجل، و معلوم أنك أفدت بهذه الاستعارة ما لولاها لم يحصل لك، و هو المبالغة في وصف المقصود بالشجاعة و إيقاعك منه في نفس السامع صورة الأسد في بطشه و إقدامه و بأسه و شدّته، و سائر المعاني المركوزة في طبيعته، ممّا يعود إلى الجرأة و البسالة، و هكذا في غيره من الأمثلة.
قال: و الاستعارة في الحقيقة هي هذا الضرب دون الأوّل، و هي أمدّ ميدانا، و أشد افتنانا، و أكثر جريانا، و أعجب حسنا و إحسانا، و أوسع سعة، و أبعد غورا، و أذهب نجدا في الصناعة و غورا، من أن تجمع شعبها و شعوبها، و تحصر فنونها و ضروبها. نعم و أسحر سحرا، و أملأ بكلّ ما يملأ صدرا، و يمتّع عقلا، و يؤنس نفسا، و يوفّر انسا، و أهدى إلى أن تهدى إليك عذارى قد تخيّر لها الجمال، و عني بها الكمال.
و من الفضيلة الجامعة فيها: أنها تبرز هذا البيان أبدا في صورة مستجدّة تزيد قدره نبلا، و توجب له بعد الفضل فضلا. و أنك لتجد اللفظة الواحدة قد اكتسبت فيها فوائد، حتى تراها مكرّرة في مواضع، و لها في كلّ واحد من تلك المواضع شأن مفرد، و شرف منفرد، و فضيلة مرموقة، و خلابة موموقة[١] و من خصائصها التي تذكر بها و هي عنوان مناقبها: أنها تعطيك الكثير من المعاني باليسير من اللفظ، حتى تخرج من الصدفة الواحدة عدّة من الدرر، و تجني من الغصن الواحد أنواعا من الثمر.
و إذا تأمّلت أقسام الصنعة التي بها يكون الكلام في حدّ البلاغة، و معها يستحقّ وصف البراعة، وجدتها تفتقر إلى أن تعيرها حلاها[٢] و تقصر عن أن
[١] الخلابة: الجذب بلطائف الكلام. الومق: التودّد.
[٢] أي حلي الاستعارة، و هكذا سائر الضمائر في الجمل التالية.