التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٨٧ - وفرة الاستعارة في القرآن
أنّ الاستعارة في القرآن كثيرة و متوفّرة، و ممّا يزيد في جماله و بهائه.
و السبب في هذا الاختلاف يرجع إلى ما زعمه ابن الأثير، من كون «التوسّع في الكلام»- الذي هو نوع من الاستعارة- مجازا مرسلا و ليس استعارة! و التوسّع، اصطلاح منه، يطلقه على ما يسمّونه «الترشيح» و هو نوع من الاستعارة المبتنية على تناسي التشبيه، و هو من أبلغ أنواعها، و اعترف هو بأنه كثير في القرآن.
منها قوله تعالى: ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَ هِيَ دُخانٌ فَقالَ لَها وَ لِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ[١]. زعم أنه توسّع في الكلام مجازا مرسلا، لأنه نسب القول إلى السماء و الأرض[٢] في حين أنه تشبيه مطويّ، شبّه السماء و الأرض بمن يعقل و ينطق، فلذلك نسب إليهما القول. و هو من سمات «العاقل الناطق» المشبّه به.
قال الزمخشري: و هو من المجاز الذي يسمّى التمثيل، و يجوز أن يكون تخييلا، و يبنى الأمر فيه على أنه تعالى كلّم السماء و الأرض، و الغرض تصوير أثر قدرته تعالى في المقدورات لا غير[٣].
و التمثيل ضرب من الاستعارة المصرّح بها، و هو من تشبيه مركّب بمركّب، مطويّ ذكر المشبّه. و التخييل من الاستعارة، المكنّى عنها الملازمة للترشيح ...
و سيأتي شرح هذه المصطلحات.
و سبب آخر أقوى ذهب بوهم ابن الأثير لينكر وفرة الاستعارة في القرآن.
و هو أنه خلط بين «التشبيه المضمر في النفس» و «التشبيه المضمر الأداة». في
[١] فصّلت: ١١.
[٢] المثل السائر: ج ٢ ص ٨١.
[٣] الكشّاف: ج ٤ ص ١٨٩.