التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٨٤ - ٨ - جودة استعارته و روعة تخييله
٨- جودة استعارته و روعة تخييله
قد أكثر القرآن من أنواع الاستعارة و أجاد في فنونها[١] و كان لا بدّ منه و هو آخذ في توسّع المعاني توسّع الآفاق، في حين تضايق الألفاظ عن الايفاء بمقاصد القرآن، لو قيّدت بمعانيها الموضوعة لها المحدودة النطاق.
جاء القرآن بمعان جديدة على العرب، لم تكن تعهدها، و لا وضعت ألفاظها إلّا لمعان قريبة، حسب حاجاتها في الحياة البسيطة البدائية القصيرة المدى. أمّا التعرّض لشئون الحياة العليا المترامية الأبعاد فكان غريبا على العرب الأوائل المتوغّلة في الجاهلية الاولى.
و من ثمّ لجأ القرآن في إفادة معانيه و الإشادة بمبانيه إلى أحضان الاستعارة و الكناية و المجاز، ذوات النطاق الواسع، حسب إبداع المتكلّم في تصرّفه بها، و قدرته على الإحاطة عليها في تصريف المباني و الإفادة بما يرومه من المعاني. و قد أبدع القرآن في الاستفادة بها و تصريفها حيثما شاء من المقاصد و الأهداف، و لم يعهد له نظير في مثل هذه القدرة على مثل هذا التصرّف الواسع الأكناف، الأمر الذي أبهر و أعجب و أتى بالإعجاز.
[١] و قد كان الفصل السابق معرضا خصبا لأنواع الاستعارة و فنونها، حيث الكلام عن فنون التشبيه و أنواعه. و الاستعارة بأشكالها نوع من التشبيه و متوقفة عليه.