التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٧٨ - تجسيم الأعمال و تجسيد المعنويات
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً[١] فالسلم ممّا يدخل فيه. أو وَ ذَرُوا ظاهِرَ الْإِثْمِ وَ باطِنَهُ[٢] فالإثم ممّا له ظاهر و باطن ... إلى آخر هذا النحو من الاستعارات.
و يحدّث عن حالة نفسية معنوية هي حالة التضايق و الضجر و الحرج، فيجسّمها كحركة جثمانية: وَ عَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ وَ ضاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَ ظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ[٣]. فالأرض تضيق عليهم، و نفوسهم تضيق بهم كما تضيق الأرض، و يستحيل الضيق المعنوي في هذا التصوير ضيقا حسّيا أوضح و أوقع، و تتجسّم حالة هؤلاء الّذين تخلّفوا عن الغزو مع الرسول، فأحسّوا بهذا الضيق الخانق، و ندموا على تخلّفهم ذلك الندم المحرج، حتى لا يجدون لهم ملجأ و لا مفرّا، و لا يطيقون راحة إلى أن قبل اللّه توبتهم[٤].
و مثله: وَ أَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَناجِرِ كاظِمِينَ ما لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَ لا شَفِيعٍ يُطاعُ[٥] فالقلوب كأنّما تفارق مواضعها و تبلغ الحناجر حقّا من شدة الضيق.
و منه: فَلَوْ لا إِذا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ. وَ أَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ[٦] كأنّما الروح شيء مجسّم، يبلغ الحلقوم في حركة محسوسة.
و منه:
[١] البقرة: ٢٠٨.
[٢] الأنعام: ١٢٠.
[٣] التوبة: ١١٨.
[٤] الثلاثة هم: كعب بن مالك، و هلال بن امية، و مرارة بن الربيع.
[٥] غافر: ١٨.
[٦] الواقعة: ٨٣ و ٨٤.