التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٦٢ - ترسيم النموذج الإنساني
هذه الوقفة، على شفا حفرة من النار، حينما كانوا من الكفّار.
و شبيهة بهذه الصورة صورة اخرى، لمن يقيم بنيانه على غير التقوى:
أَ فَمَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى تَقْوى مِنَ اللَّهِ وَ رِضْوانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى شَفا جُرُفٍ هارٍ فَانْهارَ بِهِ فِي نارِ جَهَنَّمَ[١] فهنا قد أكمل الحركة الأخيرة التي كانت متوقّعة هناك: فَانْهارَ بِهِ فِي نارِ جَهَنَّمَ و بذلك طوى الحياة الدنيا كلها، دون أن يذكر و لو كلمة «ثمّ» في موضع «الفاء» «فانهار» لأنّ هذا المدى الطويل قصير قصير، حتى لا ضرورة لهذا «التراخي» القصير. و هذا فنّ من جمال العرض الذي أبدع فيه القرآن.
ترسيم النموذج الإنساني:
قد أسبقنا أن شخصية كلّ إنسان هي تبلور صفاته و غرائزه و انطباعاته عن حياته الخاصّة في إطار محيطه و جوّ عيشته. فهو إنّما يتّجه حيث توجّهه فطرته و غريزته. و لترسيم نماذج من هكذا إنسان هو أسير غرائزه و استهواءاته، روائع من التصوير الفنّي في القرآن. كالذي سبق في قولنا: و منهم من يعبد اللّه على حرف ... و أمثلة اخرى نزيد عليها:
يريد أن يشخّص حالة العناد السخيف، و المكابرة العمياء، التي لا يجدي معها حجة و لا برهان، فيبرز «نموذجا إنسانيا» في هذه الكلمات:
وَ لَوْ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ باباً مِنَ السَّماءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ. لَقالُوا إِنَّما سُكِّرَتْ أَبْصارُنا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ[٢] أو يقول:
[١] التوبة: ١٠٩.
[٢] الحجر: ١٤ و ١٥.