التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٥٥ - تجسيد المعاني الذهنية
و الأذى لا تثمر شيئا و لا تبقى، فينقل إليهم هذا المعنى المجرّد في صورة حسّية متخيّلة على النحو التالي:
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَ الْأَذى كَالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النَّاسِ وَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوانٍ عَلَيْهِ تُرابٌ فَأَصابَهُ وابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْداً[١] و يدعهم يتملّون[٢] هيئة الحجر الصلب المستوي، غطّته طبقة خفيفة من التراب فظنّت فيه الخصوبة، فاذا وابل من المطر يصيبه، و بدلا من أن يهيّئه للخصب و النماء- كما هي شيمة الأرض تجودها السماء- أذابه- كما هو المنظور- يتركه صلدا، و تذهب تلك الطبقة الخفيفة التي كانت تستره، و تخيّل فيه الخير و الخصوبة.
ثم يمضي في التصوير لإبراز المعنى المقابل لمعنى الرياء:
وَ مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ وَ تَثْبِيتاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصابَها وابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَها ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْها وابِلٌ فَطَلٌ[٣] فهنا الوجه الثاني للصورة، و الصفحة المقابلة للصفحة الاولى. فهذه الصدقات التي تنفق ابتغاء مرضاة اللّه هي في هذه المرة كالجنة، لا كحفنة من تراب، و إذا كانت حفنة التراب هناك على وجه صفوان فالجنة هنا فوق ربوة، و هكذا هو الوابل مشتركا بين الحالتين، و لكنّه في الحالة الاولى يمحو و يمحق و في الحالة الثانية يربي و يخصب. و لو أنّ هذا الوابل لم يصبها فإنّ فيها من الخصب و الاستعداد للإنبات ما يجعل القليل من المطر يهزّها و يحييها:
[١] البقرة: ٢٦٤، و الصلد: النقي.
[٢] تمل الشيء: تأمله و قلبه لينظر فيه.
[٣] البقرة: ٢٦٥.