التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٥٤ - تجسيد المعاني الذهنية
إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَ اسْتَكْبَرُوا عَنْها لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوابُ السَّماءِ وَ لا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ[١].
يدعك هذا التصوير ترسم بخيالك صورة لتفتح أبواب السماء، و صورة اخرى لولوج الحبل الغليظ في سمّ الخياط- و يختار من أسماء الحبل اسم «الجمل» خاصّة في هذا المقام تأكيدا لتصوير الغلظة و ضخامة حجم الوالج في سمّ الخياط. و يدع للحسّ أن يتأثر عن طريق الخيال بالصورتين ما شاء له التأثّر، ليستقرّ في النهاية معنى الفوز و معنى الاستحالة في أعماق النفس، و قد ورد إليها من طريق العين و الحسّ تخييلا.
و يريد أن يبيّن أنّ اللّه سيضيع أعمال الذين كفروا كأن لم تكن قبل شيئا، و ستضيع إلى غير عودة فلا يملكون لها ردّا، فيقدّم هذا المعنى مصوّرا في قوله: وَ قَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً[٢].
و يدعك تتخيّل صورة الهباء المنثور، فتعطيك معنى أوضح و آكد للضياع الحاسم المؤكد.
أو يرسم هذه الصورة المطوّلة بعض الشيء لهذا المعنى نفسه: مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمالُهُمْ كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عاصِفٍ لا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلى شَيْءٍ[٣] فتزيد الصورة حركة و حياة بحركة الريح في يوم عاصف، تذر الرماد و تذهب به بددا إلى حيث لا يتجمع أبدا.
و يريد أن يبيّن للناس أنّ الصدقة التي تبذل رياء و التي يتبعها المنّ
[١] الأعراف: ٤٠.
[٢] الفرقان: ٢٣.
[٣] إبراهيم: ١٨.