التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٤٣ - تعبير بلفظ أم إفاضة بحياة؟
الصباح عند أسفاره.
و هكذا الليل يسري وَ اللَّيْلِ إِذا يَسْرِ[١] ... يقال: سرى يسري إذا سار في الليل، و هو أفضل المسير أيام القرّ، ترافقه نفحة و نسيم. لكن في تعبير القرآن كأنّ الليل هو الساري، و هو آن من آنات الزمان، يتّخذ مسيره في هدوء و هينة و اتّئاد، و كأنه ساهر يجول في ظلام، أو مسافر يختار السري لرحلته هذه في الفضاء. يا له من إناقة في التعبير، و رقّة و لطف، أضف إليه جمال تناسقه و نغمه مع وَ الْفَجْرِ. وَ لَيالٍ عَشْرٍ. وَ الشَّفْعِ وَ الْوَتْرِ.
و كذلك الليل يطلب النهار طلبا حثيثا يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً[٢] و كأنهما فرسا سباق يتعاقبان، لكن الليل سائر خلف النهار و في أثره سيرا حثيثا سريعا لا وقفة فيه و لا فتور. و هل يطلبه ليفتك به و النهار شارد أمامه يخشى فتكه؟! حتى إذا ما وقعت حبائل الليل عليه حصره و أحاطه، و اذا الدنيا كلّها ظلام.
و الجدار بنية جامدة كالجلمود، لكنه في تعبير القرآن صاحب حسّ و إرادة و عقل، لأنه يريد أن ينقضّ فَوَجَدا فِيها جِداراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَ[٣].
و الجبال، و هي على الأرض يسار بها مع الأرض، لكنّها في تعبير القرآن هي التي تجتاز الفضاء و تمرّ مرّ السحاب، رغم أنّك تحسبها جامدة أي واقفة لا حراك فيها: وَ تَرَى الْجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وَ هِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ[٤] و السماوات و الأرض تحسبها جوامد، لكنها تنطق و تسبّح في منطق القرآن: تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ وَ الْأَرْضُ[٥].
[١] الفجر: ٤.
[٢] الأعراف: ٥٤.
[٣] الكهف: ٧٧.
[٤] النمل: ٨٨.
[٥] الإسراء: ٤٤.