التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٢٥ - تناسب السور
الحديث فضلا عن أحسنه، فإنّ القرآن نزل في نيّف و عشرين سنة في أحكام مختلفة و لأسباب مختلفة، و ما كان كذلك لا يتأتى ربط بعضه ببعض، إذ لا يحسن أن يرتبط تصرّف الإله في خلقه و أحكامه بعضها ببعض، مع اختلاف العلل و الأسباب، كتصرّف الملوك و الحكّام و المفتين و تصرّف الانسان نفسه بامور متوافقة و متخالفة و متضادّة. و ليس لأحد أن يطلب ربط بعض تلك التصرّفات مع بعض، مع اختلافها في نفسها و اختلاف أوقاتها.
و عاكسه الشيخ وليّ اللّه محمّد بن أحمد الملويّ المنفلوطي، قائلا: و قد وهم من قال لا يطلب للآي الكريمة مناسبة، لأنّها على حسب الوقائع المتفرّقة و فصل الخطاب أنها على حسب الوقائع تنزيلا، و على حسب الحكمة ترتيبا، فالمصحف كالصحف الكريمة على وفق ما في الكتاب المكنون، مرتّبة سوره كلها و آياته بالتوقيف[١].
قال الإمام بدر الدين الزركشي: و هذا الذي ذكره الشيخ وليّ اللّه مبنيّ على أنّ ترتيب السور توقيفي. ثم رجّح ذلك و أخذ في بيان التناسب فيما بين عديد من السور. قال: و إذا اعتبرت افتتاح كل سورة وجدته في غاية المناسبة لما ختم به السورة قبلها. ثمّ هو يخفى تارة و يظهر اخرى، كافتتاح سورة الأنعام بالحمد، فإنه مناسب لختام سورة المائدة من فصل القضاء كما قال تعالى: وَ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَ قِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ[٢].
و كافتتاح سورة فاطر بالحمد أيضا، فإنه مناسب لختام ما قبلها وَ حِيلَ بَيْنَهُمْ وَ بَيْنَ ما يَشْتَهُونَ كَما فُعِلَ بِأَشْياعِهِمْ مِنْ قَبْلُ[٣]، كما قال تعالى: فَقُطِعَ دابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ[٤].
[١] البرهان: ج ١ ص ٣٧، و الإتقان: ج ٣ ص ٣٢٣( ط ٢). و نظم الدرر للبقاعي: ج ١ ص ٨.
[٢] الزمر: ٧٥.
[٣] سبأ: ٥٤.
[٤] الأنعام: ٤٥.