التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٦ - نماذج من فوارق اللغة
و ذلك أنّ النأي يكون لما ذهب عنك إلى حيث بلغ، و أدنى ذلك أن يقال له: نأى. و البعد تحقيق التروّح و الذهاب إلى الموضع السحيق. و تقدير الشعر:
أتى من دونها النأي الذي يكون أول البعد، و البعد الذي يكاد يبلغ الغاية.
قال أبو هلال: و الذي قاله المبرّد هاهنا في العطف يدلّ على أنّ جميع ما جاء في القرآن و عن العرب من لفظين جاريين مجرى ما ذكرنا، من العقل و اللبّ، و المعرفة و العلم، و الكسب و الجرح، و العمل و الفعل، معطوفا أحدهما على الآخر. فإنما جاز هذا فيهما لما بينهما من الفرق في المعنى.
و لا يجوز أن يكون فعل و أفعل بمعنى واحد، كما لا يكونان على بناء واحد، إلّا أن يجيء ذلك في لغتين، فأمّا في لغة واحدة فمحال أن يختلف اللفظان و المعنى واحد، كما ظنّ كثير من النحويين و اللغويين. و إنما سمعوا العرب تتكلّم بذلك على طباعها و ما في نفوسها من معانيها المختلفة و على ما جرت به عاداتها و تعارفها، و لم يعرف السامعون تلك العلل و الفروق، فظنّوا ما ظنّوه من ذلك و تأوّلوا على العرب ما لا يجوز في الحكمة ... و قال المحقّقون من أهل العربية: لا يجوز أن تختلف الحركتان في الكلمتين و معناهما واحد.
قالوا: فإذا كان الرجل عدة للشيء قيل فيه «مفعل» مثل مرحم و محرب، و إذا كان قويّا على الفعل قيل «فعول» مثل صبور و شكور. و إذا فعل الفعل وقتا بعد وقت قيل «فعّال» مثل علّام و صبّار. و إذا كان ذلك عادة له قيل «مفعال» مثل معوان و معطاء و مهداء. و من لم يتحقّق المعاني يظنّ أنّ ذلك كله يفيد المبالغة فقط، و ليس الأمر كذلك، بل هي مع إفادتها المبالغة تفيد المعاني التي ذكرناها.
و كذلك قولنا: فعلت، يفيد خلاف ما يفيد أفعلت، في جميع الكلام إلا ما كان من ذلك في لغتين. فقولك: سقيت الرجل، يفيد أنك أعطيته ما يشربه أو صببت ذلك في حلقه. و أسقيته يفيد أنك جعلت له سقيا أو حظّا من الماء.