التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٥٤ - ١ - التمكين
قال الامام بدر الدين الزركشي: و هذا الباب يطلعك على سرّ عظيم من أسرار القرآن الكريم، فاشدد يديك به[١].
و من أمثلته قوله تعالى: وَ رَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنالُوا خَيْراً وَ كَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ وَ كانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزاً[٢] و لا يخفى وجه المناسبة التامّة.
و قوله تعالى: أَ وَ لَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَساكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ أَ فَلا يَسْمَعُونَ. أَ وَ لَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْماءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعامُهُمْ وَ أَنْفُسُهُمْ أَ فَلا يُبْصِرُونَ[٣] لمّا كانت الآية الاولى تذكرة و عبرة بما أصاب القرون الاولى، و لا عبرة بأحوال الماضين لو لا الاستماع إلى قصصهم، فختمت بما يناسبه «يسمعون» أمّا الآية الثانية فكان الاعتبار فيها بأمر مشهود منظور، فناسبه الختم بالابصار.
و قوله تعالى: لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَ هُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ وَ هُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ[٤] الشيء إذا بلغ في اللطافة غايتها قصرت الأبصار عن دركه. فناسب قوله:
وَ هُوَ اللَّطِيفُ قوله: لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ. و العالم بالشيء إذا بلغ كنهه و أحاط به علما كان خبيرا به، فناسب قوله: «الخبير» قوله: وَ هُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ، جمعا محلّى باللام، و هو يفيد العموم الدالّ على إحاطته تعالى.
و مناسبة أشد: أنّ قوله: وَ هُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ برهان على عدم إمكان إدراكه بالأبصار و أنّه هو الذي يحيط بالأبصار، فكان كدعوى مقرونة بشاهد
[١] البرهان: ج ١ ص ٧٩.
[٢] الأحزاب: ٢٥.
[٣] السجدة: ٢٦ و ٢٧.
[٤] الأنعام: ١٠٣.