التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٢٦ - ألفاظ و تعابير أم قوامع من حديد؟
انظر إلى هذا التشبيه البديع: وَ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّما خَرَّ مِنَ السَّماءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكانٍ سَحِيقٍ[١] اللفظ يصوّر السقوط المرير «خرّ من السماء» صوت تقطع الأنفاس و حبسها في البلعوم من هول هذا السقوط المفاجئ. ثم ما ذا بعد؟ «تخطفه الطير» لفوره فيقع فريستها «أو تهوي به الريح في مكان سحيق» متقطّع الأشلاء، فلا يهتدي إليه أحد.
هكذا و بهذه السرعة الخاطفة يطوى مسرح حياة المشرك باللّه، و بهذه الخاتمة الأليمة.[٢] عُتُلٍّ بَعْدَ ذلِكَ زَنِيمٍ[٣] هذه الكلمة «عتلّ» في مادّتها و هيأتها (ع:
مجهورة مستعلية. تاء: مهموسة شديدة. ل: مجهورة منذلقة) بضمّتين متعاقبتين و تشديد اللام الأخيرة، تمثّل الغلظة الجافية و الانهماك في الشهوات و ملاذ الحياة السفلى، قبل أن تدلّ عليه الكلمة من المعنى الوضعيّ اللغوي: الأكول، الجافي، الغليظ.
تلك لفظة دلّت أجراسها على معناها قبل أن تدلّ أوضاعها. و من ثم فقد تعقبها ما يناسبها «زنيم»: اللئيم، الدعيّ، الذي لا يبالي بما قال و لا بما قيل فيه.
وَ ما هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذابِ[٤] دلّت لفظة الزحزحة على تلك الحركة التدرّجية قبل المعنى.
فَكُبْكِبُوا فِيها[٥] كأنّ جرس اللفظة أدلّ على تعاقب الكبو في النار، هم و الغاوون و جنود إبليس أجمعون.
[١] الحج: ٣١.
[٢] التصوير الفني: ص ١٠٣.
[٣] القلم: ١٣.
[٤] البقرة: ٩٦.
[٥] الشعراء: ٩٤.