التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٢٥ - ألفاظ و تعابير أم قوامع من حديد؟
الموضع، و ما أوقع جرسها المدوّي المخوف، المتناسب مع أهوال يوم القيامة، المتطاير شرّها كالبركان الثائر المتقاذف شرارته، لا يسلم منها قريب و لا بعيد.
و زاده رعبا و هولا تكراره بوجه آخر كان أخوف: إِنَّا نَخافُ مِنْ رَبِّنا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً[١]. كأنه الضيغم الضاري عبس في وجه فريسته عبوسا شديدا، و لعلّه من طول جوعه و ضمور بطنه، فكان أشدّ رعبا- و هو سبع جائع يقصدك لا عن هوادة- من بركان، لا قصد له و لا عزم. و التخلص منه ممكن، لأنه لا يتبعك.
و تقرأ: وَ إِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَ[٢] فترتسم صورة التبطئة في جرس العبارة كلّها، و في جرس «ليبطّئنّ» خاصّة. و إن اللسان ليكاد يتعثّر، و هو يتخبّط فيها حتى يصل ببطء إلى نهايتها.
و تتلو حكاية قول هود: أَ رَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَ آتانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَ نُلْزِمُكُمُوها وَ أَنْتُمْ لَها كارِهُونَ[٣]. فتحسّ أنّ كلمة «أ نلزمكموها» تصوّر جوّ الإكراه، بإدماج كلّ هذه الضمائر في النطق، و شدّ بعضها إلى بعض، كما يدمج الكارهون مع ما يكرهون، و يشدّون إليه و هم منه نافرون.
قال سيد قطب: و هكذا يبدو لون من التناسق- تناسق جرس اللفظ مع نوعية المعنى- أعلى من البلاغة الظاهرية، و أرفع من الفصاحة اللفظية، اللتين يحسبهما بعض الباحثين في القرآن أعظم مزايا القرآن[٤].
[١] الإنسان: ١٠.
[٢] النساء: ٧٢.
[٣] هود: ٢٨.
[٤] التصوير الفني: ص ٧٢.