التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٢٣ - ألفاظ و تعابير أم قوامع من حديد؟
الصراخ المختلط المتجاوب من كل جانب، المنبعث من حناجر مكتظّة بالأصوات الخشنة، كما تلقى إليك ظلّ الإهمال لهذا الاصطراخ الذي لا يجد من يهتمّ بشأنه أو يلبّيه. و تلمح من وراء ذلك كلّه صورة ذلك العذاب الغليظ الذي هم فيه يصطرخون.
و حين يستقلّ لفظ واحد بهذه الصور كلّها، و يدلّك اللفظ عليه قبل دلالة المعنى، يكون ذلك فنّا من التناسق البديع[١].
و عند ما تستمع إلى قوله تعالى: مَثَلُ ما يُنْفِقُونَ فِي هذِهِ الْحَياةِ الدُّنْيا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيها صِرٌّ[٢] أَصابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ[٣] و كأنّك تحسّ بسمعك صوت هذه الريح العاتية، و لها صرير و صراخ و قعقعة و هياج، تنسف و تدمّر كل شيء، فتصوّر وقع عذاب شديد ألمّ بقوم ظالمين ...
و هكذا عند ما تتلى عليك إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ. تَنْزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ[٤] أو وَ أَمَّا عادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ[٥] تجد وقع العذاب و شدّته من مضض هذه اللفظة عند اصطكاكها مع صماخ اذنك، و اللفظة مضاعفة بجرسها دلالة على مضاعفة العذاب.
و عند ما تقرأ فَإِذا جاءَتِ الصَّاخَّةُ. يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ. وَ أُمِّهِ وَ أَبِيهِ وَ صاحِبَتِهِ وَ بَنِيهِ- الى قوله- وَ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ. تَرْهَقُها قَتَرَةٌ. أُولئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ تجد وقع هذا الصراخ المدهش الذي يذيب القلوب و تذهل
[١] التصوير الفني: ص ٧٢.
[٢] صاد حرف مستعل و مصمت ذو صفير. وراء حرف مجهور منذلق ذو تكرير.
[٣] آل عمران: ١١٧.
[٤] القمر: ١٩ و ٢٠.
[٥] الحاقة: ٦.