التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٢ - ١ - دقيق تعبيره و رقيق تحبيره
يفي بذلك كلّه أو جلّه، و منهم من يخل بشيء منه أو أشياء ... إلى فنون من الزينة و الزخرف يتفاوت الذوق الهندسي فيها تفاوتا بعيدا.
كذلك ترى أهل اللغة الواحدة يؤدّون الغرض الواحد على طرائق شتّى يتفاوت حظّها في الحسن و القبول، و ما من كلمة من كلامهم و لا وضع من أوضاعهم بخارج عن مواد اللغة و قواعدها في الجملة، و لكنه حسن الاختيار في تلك المواد و الأوضاع قد يعلو بالكلام، حتى يسترعي سمعك و يثلج صدرك و يملك قلبك. و سوء الاختيار في شيء من ذلك قد ينزل به حتّى تمجّه اذنك و تغثى منه نفسك و ينفر منه طبعك.
ذلك أنّ اللغة فيها العامّ و الخاصّ، و المطلق و المقيّد، و المجمل و المبيّن، و فيها العبارة و الاشارة، و الفحوى و الايماء، و فيها الخبر و الانشاء، و فيها الجمل الاسمية و الفعلية، و فيها النفي و الإثبات، و فيها الحقيقة و المجاز، و فيها الإطناب و الإيجاز، و فيها الذكر و الحذف، و فيها الابتداء و العطف، و فيها التعريف و التنكير، و فيها التقديم و التأخير، و هلمّ جرّا. و من كلّ هذه المسالك ينفذ الناس إلى أغراضهم غير ناكبين بوضع منها عن أوضاع اللغة جملة، بل هم في شعابها يتفرّقون و عند حدودها يلتقون.
بيد أنّه ليس شيء من هذه المسالك بالذي يجهل في كل موطن، و ليس شيء منها بالذي يقبح في كل موطن، إذن لهان الأمر على طالبه، و لأصبحت البلاغة في لسان الناس طعما واحدا و في سمعهم نغمة واحدة، كلّا، فإنّ الطريق الواحد قد يبلغك مأمنك حينا، و يقصر بك عن غايتك حينا آخر.
و ربّ كلمة تراها في موضع ما كالخرزة الضائعة، ثمّ تراها بعينها في موضع آخر كالدرّة اللامعة. فالشأن إذن في اختيار هذه الطرق أيّها أحقّ بأن يسلك في غرض غرض، و أيّها أقرب توصيلا إلى مقصد مقصد، ففي الجدال أيّها أقوم بالحجّة و أدحض للشبهة، و في الوصف أيّها أدقّ تمثيلا للواقع، و في موطن اللين