التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢١٠ - المقصد الأول في ذكر الأحاديث الواردة في باب الغناء و تحقيق ما هو المراد
أو صوت مشتمل على ترجيع خاصّ لا سبيل إلى الأول. أمّا أولا: فلأنّ اللحن هاهنا لغة عبارة عن تطريب الصوت و ترجيعه على ما ذكره ابن الأثير في نهايته. و قال في القاموس: لحّن في قراءته طرب فيها، و لا معنى للغناء اللغوي إلّا هذا فهما مترادفان بحسب اللغة، فلا يكون اللحن صوتا على الاستقامة.
و أمّا ثانيا: فلأنّ الأصوات المستقيمة مشتركة بين العرب و العجم غير مختصّة بطائفة دون طائفة اخرى، أ لا ترى أنه لا يجوز أن يقال: نادى زيد ابنه بنداء العرب و عمرو بنداء العجم لكون النداء على استقامته مشتركا بين جميع الطوائف، و يجوز أن يقال: زيد قرأ القرآن بلحن العرب و عمرو بلحن العجم، و هو واضح، فتعيّن الثاني، فيكون ألحان العرب الأصوات المترجّعة.
و أمّا كونها مطربة فلما مرّ في بيان تحديده في الوجه الأول من أنه و الغناء اللغوي مترادفان بيّنّا في الأحاديث السابقة أنّ الصوت الحسن مطرب بالضرورة، فيكون لحن العرب فردا من أفراد مطلق الغناء، فتدبّروا.
أمّا (ثانيا) فلأنه (صلّى اللّه عليه و آله) نهى عن ترجيع القرآن ترجيع الغناء، فلو لم يكن ترجيع الغناء أخصّ من مطلق الترجيع لكان (صلّى اللّه عليه و آله) يقتصر على قوله يرجعون القرآن و لم يذكر ترجيع الغناء لعدم الفائدة فيه. و بعبارة اخرى: ترجيع الغناء وقع مفعول مطلق مضاف و المفعول المطلق المضاف أو الموصوف أخصّ من مصدر فعله كقولك: سرت سير البريد و ضربت ضربا شديدا، فثبت أنّ مراده (صلّى اللّه عليه و آله) من الغناء هو العرفيّ الأخصّ من اللغويّ، لأنه لو كان مراده منه هو اللغويّ لكان يقتصر على قوله:
يرجعون القرآن و لم يذكر ترجيع الغناء لاستلزامه كون الشيء أخصّ من نفسه كما عرفت.
فإن قيل: الترجيع أعمّ من ترجيع الغناء لكونه مطربا، قلنا: نعم، و لكن ظاهر أنّ القارئ يبذل جهده في تناسب الألحان لا في اختلافها لئلا يكون