التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢١ - ١ - دقيق تعبيره و رقيق تحبيره
و قد تقدّم كلام ابن عطية في متابعته للخطّابي في الاختيار، قال: و وجه إعجازه أنّ اللّه قد أحاط بكل شيء علما، و أحاط بالكلام كلّه علما، فاذا ترتّبت اللفظة من القرآن علم بإحاطته أيّ لفظة تصلح أن تلي الاولى، و يتبيّن المعنى دون المعنى، ثم كذلك من أوّل القرآن إلى آخره. و البشر معهم الجهل و النسيان و الذهول، و معلوم بالضرورة أن أحدا من البشر لا يحيط بذلك، و بهذا جاء نظم القرآن في الغاية القصوى من الفصاحة.
قال: و كتاب اللّه سبحانه لو نزعت منه لفظة، ثم ادير لسان العرب على لفظة في أن يوجد أحسن منها لم توجد ...[١] و للاستاذ درّاز تمثيل رائع بشأن روعة نظم القرآن و فخامة اسلوبه، شبّه ألفاظ اللغة و الكلم الموضوعة بالمواد الأوّلية اللازمة للبناء، فلا تختلف البنايات في أصل المواد، و لا كانت الموادّ ممّا ابتدعه المهندسون، لا و إنما التفاوت هو تفاوت الأذواق و مقدار المعرفة بانتخاب أصلح المواد و أتقن الآلات و الأدوات إنها هندسة البناء يخلقها قرائح البنّائين و يبتدعها المهندسون.
قال: إنّ مثل صنعة البيان لمثل صنعة البنيان، فالمهندسون البنّاءون لا يخلقون مادة بناء لم تكن في الأرض، و لا يخرجون في صنعتهم عن قواعدها العامّة، و لا يعدو ما يصنعونه أن يكون جدرانا مرفوعة، و سقفا موضوعة، و أبوابا مشرعة، و لكنهم تتفاضل صناعاتهم وراء ذلك في اختيار أمتن المواد و أبقاها على الدهر، و أكنّها للناس من الحرّ و القرّ، و في تعميق الأساس و تطويل البنيان، و تخفيف المحمول منها على حامله، و الانتفاع بالمساحة اليسيرة في المرافق الكثيرة، و ترتيب الحجرات و الأبهاء، بحيث يتخلّلها الضوء و الهواء، فمنهم من
[١] مقدّمة تفسيره: ص ٢٧٩، و راجع البرهان للزركشي: ج ٢ ص ٩٧.