التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٠٩ - المقصد الأول في ذكر الأحاديث الواردة في باب الغناء و تحقيق ما هو المراد
المزينة بسائر آلات اللهو المهيّجة للشهوات و بالمقام المسمّى بالرهاوي المورث للحزن و البكاء هل هما سيّان؟ حاشا و كلّا، أين الثريا من الثرى و أين الأرض من السماء، بل هذا عذب فرات سائغ شرابه، و هذا ملح اجاج.
يدلّ على ذلك ما
روي في الكافي عن عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): اقرءوا القرآن بألحان العرب و أصواتها، و إيّاكم و لحون أهل الفسق و أهل الكبائر، فإنه سيجيء من بعدي أقوام يرجعون القرآن ترجيع الغناء و النوح و الرهبانية، لا يجوز تراقيهم، قلوبهم مقلوبة و قلوب من يعجبهم شأنهم[١].
أقول: هذا الحديث ممّا رواه العامّة أيضا عن حذيفة بن اليمان عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) مع اختلاف في بعض الألفاظ فإنّهم بدّلوا أهل الكبائر بأهل الكتابين و المقلوبة بالمفتونة، و اتفق على صحته الفريقان. و هذا نصّ صريح على ما ادّعيناه من صيرورة الغناء حقيقة عرفية في هذا الفرد الأخص، و نهيهم (عليهم السّلام) مختصّ بهذا دون غيره و نقول تأكيدا و توضيحا: نحن معاشر القائلين بالتفصيل في أمر الغناء ندّعي أنّ الغناء المنهيّ عنه هو الأصوات الملهية التي تتصداها القينات و فسّاق الرجال و يزينها ضرب الدفوف و العيدان لكثرة إطلاق الغناء على هذا الفرد الأخصّ صارت حقيقة عرفية فيه، و أنتم أيّها المنكرون تزعمون أنّ الغناء المنهيّ عنه هو الغناء بالمعنى اللغوي أعني الصوت المرجّع المطرب أو نفس ترجيعه المطرب مطلقا، و هذا حديث ابن سنان يصدّق ما ادّعيناه و يكذّبكم.
أمّا (أولا) فلأنه (صلّى اللّه عليه و آله) أمر بقراءة القرآن بألحان العرب و أصواتها، فلا يخلو إمّا أن يكون مراده من الألحان الصوت من غير ترجيع مطلقا
[١] الكافي: ج ٢ ص ٦١٤ حديث ٣، مجمع البيان: ج ١ ص ١٦ في ذكر الفنّ السابع.