التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٠٨ - المقصد الأول في ذكر الأحاديث الواردة في باب الغناء و تحقيق ما هو المراد
في الحسن و البهاء حدا يصعق السامعين و هو على استقامته من غير ترجيع؟ و إلّا فلم يكن حال محاورته و تكلّمه (عليه السّلام) كذلك، و هل يمكن أن يدّعي أحد أنّ تكلّمه (عليه السّلام) كان مصعقا؟ و هل ورد خبر أنه (عليه السّلام) كان يتكلّم بالصوت الحسن؟ و ما ذلك إلّا لأنّ التكلّم يكون على الاستقامة و القراءة على الترجيع، و إلّا فما الفرق؟ فقد ثبت أنّ الرسول و الائمة (عليهم السّلام) كادوا يقرءون القرآن بالصوت الحسن المترجّع، فلننظر أنّ حدّ الغناء اللغوي هل يصدق على هذه القراءة أم لا؟
فنقول- تأكيدا لما سبق و تنبيها لمن غفل-: هو كما مرّ مرارا عبارة عن الصوت المترجّع المطرب، و قراءتهم (عليهم السلام) يصدق عليها أنها صوت، و هو ظاهر، و كذا أنها مترجّع لما عرفت، و لا شكّ في كونها مطربا بأحد المعنيين:
التذاذ بعضهم عند سماعها فيقف كالسقّائين، و صعق بعض الآخر كالمارّة فيصدق على قراءتهم الغناء بالمعنى اللغوي- أعني الصوت المترجّع المطرب- و أمّا الغناء بمعنى العرف الطارئ بمعنى الألحان و النغمات الملهية المهيّجة للشهوات المزيّنة للسيّئات التي يزينها التصدية و ضربة الدفوف و تتصدّاها القينات لجذب الفسّاق من الرجال إلى أنفسهن فلا يجوز التغنّي بها مطلقا، فضلا عن تغنّي القرآن بها، و نهي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و الائمة المعصومين (عليهم السّلام) مختصّ بهذا النحو من القراءة و هذا النوع من الغناء، و هو الذي صار إطلاق الغناء عليه حقيقة عرفية[١]. و لينصف المنصف أنّ قراءة القرآن بالألحان الملهية المعروفة بالتصانيف في زماننا المقوية بضرب الدفوف و الرقص
[١] إطلاق الغناء على مجموع العارض و المعروض هاهنا و في المواضع الأخر مع أنه نفس العارض فقط كما حقق في المسألة اللغوية إنما هو بضرب من التسامح و تبعا لمستعمليه فيهما مع أنه غير مخلّ بالمقصود( المؤلف).