التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٧ - ١ - دقيق تعبيره و رقيق تحبيره
و اعلم أنّ من الكلام ما ترى المزيّة فيه تتلاحق و تنضمّ بعضها إلى بعض، حتى تكثر و تملأ العين، و لذلك لا تكبر من شأن صاحبه و لا تقضى له بالحذق و الاستاذية و سعة الذرع و القدرة، حتى تستوفى القطعة و تأتي على عدّة أبيات.
و منه ما أنت ترى الحسن يهجم عليك منه دفعة، و يأتيك منه ما يملأ العين فجأة، حتى تعرف من البيت الواحد مكان الرجل من الفضل و موضعه من الحذق و طول الباع. و أنه من قبل ناطق فحل و خرج من يد صانع قدير. و ما كان كذلك فهو شعر الشاعر و الكلام الفاخر و النمط العالي الشريف، و الذي لا تجده إلّا في كلام الفحول البزل الملهمين إلهاما[١].
و أجمل من استوفى الكلام في هذا الجانب من ميزة القرآن- حسبما قدّمنا- هو أبو سليمان البستي. قال في بيان السبب الأوفى لدقيق تعبيره و رحيق عبيره:
إنّ الذي يوجد لهذا الكلام من العذوبة في حسّ السامع، و الهشاشة في نفسه، و ما يتحلّى به من الرونق و البهجة، التي يباين بها سائر الكلام حتى يكون له هذا الصنيع في القلوب، و التأثير في النفوس، فتصطلح من أجله الألسن على أنه كلام لا يشبهه كلام، و تحصر الأقوال عن معارضته، و تنقطع به الأطماع عنها، أمر لا بدّ له من سبب بوجوده يجب له هذا الحكم و بحصوله يستحقّ هذا الوصف.
قال: و قد استقرينا أوصافه الخارجة عنه، و أسبابه النابتة منه، فلم نجد شيئا منها يثبت على النظر أو يستقيم في القياس و يطّرد على المعايير. فوجب أن يكون ذلك المعنى مطلوبا من ذاته و مستقصى من جهة نفسه. فدلّ النظر و شاهد العبر على أنّ السبب له و العلّة فيه: أنّ أجناس الكلام مختلفة، و مراتبها
[١] دلائل الإعجاز: ص ٥٤- ٦١.