التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٦٤ - ٤ - تناسق نظمه و تناسب نغمه
على أنّ هناك نوعا من الموسيقى الداخلية يلحظ و لا يشرح- كما أسلفنا- و هو كامن في نسيج اللفظة المفردة و تركيب الجملة الواحدة، و هو يدرك بحاسّة خفية وهبة لدنية.
و هكذا تتبدّى تلك الموسيقى الداخلية في بناء التعبير القرآني، موزونة بميزان شديد الحسّاسية، تميله أخفّ الحركات و الاهتزازات، و لو لم يكن شعرا، و لو لم يتقيد بقيود الشعر الكثيرة، التي تحدّ من الحرّية الكاملة في التعبير الدقيق عن القصد المطلوب[١].
و قال الرافعي: كان العرب يتساجلون الكلام و يتقارضون الشعر، و كان اسلوب الكلام عندهم واحدا: حرّا في المنطق و جزلا في الخطاب، في فصاحة كانت تؤاتيهم الفطرة و تمدّهم الطبيعة، فلمّا ورد عليهم اسلوب القرآن رأوا ألفاظهم بأعيانها متساوقة، ليس فيها إعنات و لا معاياة. و وجوه تركيبه و نسق حروفه و نظم جمله و عبائره، ما أذهلهم هيبة و روعة، حتى أحسّوا بضعف الفطرة و تخلّف الملكة. و رأى بلغاؤهم جنسا من الكلام غير ما هم فيه، رأوا حروفه في كلماته، و كلماته في جمله، ألحانا نغمية رائعة، كأنها لائتلافها و تناسقها قطعة واحدة، قراءتها هي توقيعها، فلم يفتهم هذا المعنى و كان أبين لعجزهم.
و كل الذين يدركون أسرار الموسيقى و فلسفتها النفسية يرون أن ليس في الفنّ العربي بجملته شيء يعدل هذا التناسب الطبيعي في ألفاظ القرآن و أصوات حروفه. و ما أحد يستطيع أن يغتمز في ذلك حرفا واحدا. و القرآن يعلو على الموسيقى إنّه مع هذه الخاصّة العجيبة ليس من الموسيقى.
إنّ مادة الصوت هي مظهر الانفعال النفسي في الأنغام الموسيقية، بسبب
[١] التصوير الفني: ص ٨٠- ٨٣.