التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٥٨ - ٤ - تناسق نظمه و تناسب نغمه
٤- تناسق نظمه و تناسب نغمه
و هو جانب خطير من إعجاز القرآن البياني، لمسته العرب منذ أوّل يومها فبهرتهم روعته و دهشتهم رنّته، فأخضعهم للاعتراف في النهاية بأنه كلام يفوق طوع البشر و أنه كلام اللّه.
إنه جانب «اتّساق نظمه و تناسب نغمه» و إيقاعاته الموسيقية الساطية على الأحاسيس، و الآخذة بمجامع القلوب. و هذا الجمال التوقيعي للقرآن يبدو جليا لكل من يستمع إلى آياته تتلى عليه، حتى و لو كان من غير العرب، فكيف بالعرب أنفسهم. و أوّل شيء تحسّه الآذان عند سماع القرآن هو ذا نظامه الصوتيّ البديع، الذي قسّمت فيه الحركات و السكونات تقسيما متنوّعا و متوزّعا على الألحان الموسيقية الرقيقة، فينوّع و يجدّد نشاط السامع عند سماعه، و وزّعت في تضاعيفه حروف المدّ و الغنّة توزيعا بالقسط، يساعد على ترجيع الصوت به، و تهاوى النفس فيه آنا بعد آن، إلى أن يصل قمّتها في الفاصلة، فيجد عندها راحته الكبرى، على ما فصّله أساتذة الترتيل.
و ربّما استمع الإنسان إلى قصيدة، و هي تتشابه أهواؤها و تتساوق أنغامها، و لكنه لا يلبث أن يملّها، و لا سيما اذا اعيدت عليه و كرّرت بتوقيع واحد. بينما الانسان من القرآن في لحن متنوّع و نغم متجدّد، ينتقل فيه بين أسباب و أوتاد