التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٥٤ - ٣ - عذوبة ألفاظه و سلاسة عباراته
هذه القسمة التي أنكرها عليهم، و كانت الجملة كلها كأنها تصوّر في هيئة النطق بها، الإنكار في الاولى و التهكّم في الاخرى. و كان هذا التصوير أبلغ ما في البلاغة، و خاصّة في اللفظة الغريبة التي تمكّنت في موضعها من الفصل، و وصفت حالة المتهكّم في إنكاره من امالة اليد و الرأس بهذين المدّين فيها إلى الأسفل و الأعلى، و جمعت إلى كل ذلك غرابة الإنكار بغرابتها اللفظية.
و إن تعجب فعاجب لنظم هذه الكلمة الغريبة و ائتلافه على ما قبلها، إذ هي مقطعان: أحدهما مدّ ثقيل، و الآخر مدّ خفيف، و قد جاءت عقب غنّتين في «اذا» و «قسمة» إحداهما خفيفة حادّة، و الاخرى ثقيلة متفشّية، فكأنها بذلك ليست إلّا مجاورة صوتية لتقطيع موسيقي.
ثم الكلمات التي يظنّ أنها زائدة في القرآن- كما يقوله بعض النحاة- فإنّ فيه من ذلك أحرفا، كقوله تعالى: فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ[١] و قوله: فَلَمَّا أَنْ جاءَ الْبَشِيرُ أَلْقاهُ عَلى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيراً[٢] قالوا: إنّ «ما» في الآية الاولى و «أن» في الثانية، زائدتان، أي في الإعراب، فيظنّ من لا بصر له أنهما كذلك في النظم و يقيس عليه! مع أنّ في هذه الزيادة لوتا من التصوير، لو حذف من الكلام لذهب بكثير من حسنه و روعته. فإنّ المراد بالآية الاولى تصوير لين النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) لقومه، و أنّ ذلك رحمة من اللّه، فجاء هذا المدّ في «ما» وصفا لفظيا يؤكّد معنى اللين و يفخّمه، و فوق ذلك فإنّ لهجة النطق به تشعر بانعطاف و عناية لا يبتدأ هذا المعنى بأحسن منهما في بلاغة السياق. ثم كان الفصل بين الباء الجارّة و مجرورها- و هو لفظ «رحمة»- ممّا يلفت النفس إلى تدبّر المعنى
[١] آل عمران: ١٥٩.
[٢] يوسف: ٩٦.