التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٥٠ - خبر قس بن ساعدة
بعد أموات، ضوء و ظلام، و ليال و أيّام، و فقير و غنيّ، و سعيد و شقيّ، و محسن و مسيء. تبّا لأرباب الغفلة، ليصلحنّ كل عامل عمله! كلّا بل هو اللّه واحد، ليس بمولود و لا والد، أعاد و أبدأ، و إليه المآب غدا.
و أمّا بعد، يا معشر أياد، أين ثمود و عاد؟ و أين الآباء و الأجداد؟ أين الحسن الذي لم يشكر، و القبيح الذي لم ينقم؟ كلّا و ربّ الكعبة، ليعودنّ ما بدا، و لئن ذهب يوم ليعودنّ يوم.
قال الصدوق: و كان قسّ يعرف النبيّ باسمه و نسبه، و يبشّر الناس بخروجه، و كان يستعمل التقيّة و يأمر بها في خلال ما يعظ به الناس قال- برواية أسندها-: جمع قسّ ولده، فقال لهم:
إنّ المعاء تكفيه البقلة و ترويه المذقة، و من عيّرك شيئا ففيه مثله، و من ظلمك وجد من يظلمه. متى عدلت على نفسك عدل عليك من فوقك. فاذا نهيت عن شيء فابدأ بنفسك، و لا تجمع ما لا تأكل، و لا تأكل ما لا تحتاج إليه. و اذا ادّخرت فلا يكوننّ كنزك إلّا فعلك. و كن عفّ العيلة، مشترك الغنى تسدّ قومك. و لا تشاورنّ مشغولا و إن كان حازما. و لا جائعا و إن كان فهما. و لا مذعورا و إن كان ناصحا. و لا تضعنّ في عنقك طوقا لا يمكنك نزعه إلّا بشقّ نفسك. و اذا خاصمت فاعدل، و اذا قلت فاقتصد. و لا تستودعنّ أحدا دينك و إن قربت قرابته. فإنك اذا فعلت ذلك لم تزل وجلا، و كان المستودع بالخيار في الوفاء بالعهد، و كنت له عبدا ما بقيت، فإن جنى عليك كنت أولى بذلك، و إن وفى كان الممدوح دونك. عليك بالصدقة، فانّها تكفّر الخطيئة.
قال الصدوق: فكان قسّ لا يستودع دينه أحدا. و كان يتكلّم بما يخفى معناه على العوام، و لا يستدركه إلّا الخواصّ[١].
[١] كمال الدين و تمام النعمة: ج ١ ص ١٦٦- ١٦٩.