التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٣٨ - ٢ - طرافة سبكه و غرابة اسلوبه
و قال الباقلّاني: قد علمنا أنّ كلام العرب ينقسم إلى نثر، و نظم، و كلام مقفّى غير موزون، و كلام موزون غير مقفّى، و نظم ليس بمقفّى كالخطب و السجع، و نظم مقفّى موزون له رويّ- إلى أن يقول:- على أن الآية في القرآن، أنه نزل بلسان العرب و كلامهم، و منظوم على وزن يفارق سائر أوزان كلامهم و لو كان من بعض النظوم التي يعرفونها لعلموا أنه شعر أو خطابة أو رجز أو طويل أو مزدوج، غير أنّ ناظمة قد برع و تقدم فيه ... و ليس يخرج الحذق في الصنعة إلى أن يؤتى بغير جنسها، و ما ليس منها في شيء، و ما لا يعرفه أهلها[١] قلت: و هذا يعني أنّ الكلام إمّا موزون متكامل الوزن، مع تعادل الأجزاء، و التزام التقفية على اصولها المقررة ... فهذا هو الشعر، بأعاريضه المختلفة، و بحوره المتعدّدة، و أوزانه المعروفة ... و هذا جنس من الكلام أو قالب لفظيّ معهود ...
و إمّا هو طليق من جميع قيود الشعر و التزاماته، لا وزن و لا تعادل بين جمله و تراكيبه، و لا تقفية و لا شبه التقفية ... و هذا هو الكلام المرسل الذي لا يستهدف منشئه إلّا مجرّد الإصابة و الإفادة، مهما كان نمط الكلام، من غير قصد إلى تحليته بوزن أو الالتزام بقافية ... فهذا جنس آخر يقابل الجنس الأوّل، بينما الأول متقيد بقيود لفظية ... نجد في هذا انطلاقا حرّا و تحلّلا من جميع القيود و الالتزامات.
و هناك كلام فيه بعض الالتزامات، إمّا فيه شيء من التعادل بين تعابيره، أو تقفية غير متقيّدة برويّ خاصّ حتى نهاية الكلام ... و هذا يشمل الخطب و الرسائل و بعض الأسجاع من النمط العالي ...
و الجديد في القرآن أنه لم يلتزم بشروط الشعر كاملة، و لا أرسل في بياناته إرسالا غير متقيّد بشيء إطلاقا، و لا كان على نمط الكتب و الرسائل، و لا
[١] راجع التمهيد للباقلاني: ص ١٢١، و الاعجاز له: ص ٩٤- ٩٥.