النحو الوافي (ط ناصر خسرو) - عباس حسن - الصفحة ٤٢٧ - من
أردنا إزالة هذا الاحتمال، و جعل المعنى نصّا فى العموم و الشمول على سبيل اليقين- أتينا بالحرف الزائد: «من» و وضعناه قبل هذه النكرة مباشرة، و قلنا: ما غاب من رجل؛ و عندئذ لا يختلف الفهم، و لا يتنوع؛ إذ يتعين أن يكون المراد النص على عدم غياب فرد و ما زاد عليه من أفراد الرجال، و من ثمّ لا يصح أن يقال: ما غاب من رجل، و إنما غاب رجلان أو أكثر، منعا للتناقض و التخالف، فى حين يصح هذا قبل مجىء «من» الزائدة، لأن الأسلوب قبل مجيئها قد يحتمل أمرين؛ نفى الواحد دون ما زاد عليه؛ و نفيه مع ما زاد عليه معا-كما أسلفنا- و هذا معنى قولهم: ( «من الزائدة» تفيد النص على عموم الحكم و شموله كلّ فرد من أفراد الجنس إذا دخلت على نكرة منفية لا تقتضى وجود النفى الدائم الشامل قبلها اقتضاء محتوما) . و على ضوء ما سبق تتبين فائدة «من» فى قول الشاعر:
ما من غريب و إن أبدى تجلّده # إلا تذكّر عند الغربة الوطنا
و أما الثانى و هو التأكيد فمثل: ما غاب من ديّار؛ من كل كلام مشتمل على نكرة لا تستعمل-غالبا-إلا بعد النفى أو شبهه (مثل: أحد-عريب-ديّار... و... ) فإنها بعده تدل دلالة قاطعة على العموم و الشمول، أى: أنّ كل نكرة من هذه النكرات و نظائرها لا يراد منها فرد واحد من أفراد الجنس ينتفى عنه المعنى، و إنما يراد أن ينتفى المعنى عن الواحد و ما زاد عليه. ففى المثال السابق قطع و يقين بأمر واحد؛ هو: عدم غياب فرد أو أكثر من أفراد الرجال؛ فكل الأفراد حاضرون:
و لا مجال لاحتمال معنى آخر، فإذا أتينا بحرف الجر الزائد «من» و قلنا: ما غاب من ديّار-لم يفد الحرف الزائد معنى جديدا، و لم يحدث دلالة لم تكن قبل مجيئه، و إنما أفاد تقوية المعنى القائم و تأكيده، و هو النص على شمول المعنى المنفى و تعميمه؛ بحيث ينطبق على الأفراد كلها فردا فردا.
و الفصيح الذى لا يحسن مخالفته عند استعمال «من» الزائدة أن يتحقق شرطان: وقوعها بعد نفى [١] و شبهه (و هو هنا:
[١] فلا تزاد فى الإثبات إلا فى تمييز «كم» الخبرية إذا كان مفصولا منها بفعل متعد؛ نحو قوله تعالى: (كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنََّاتٍ وَ عُيُونٍ) . و قد وردت زيادتها فى قول زهير:
و مهما تكن عند امرئ من خليقة # و إن خالها تخفى على الناس-تعلم
-