عوائد الأيام في بيان قواعد الأحكام - النراقي، المولى احمد - الصفحة ٤١٠ - الدليل الثاني من أدلة القائلين بحجية كل ظن
على حجيته، و لم يصر موردا للقبح و المذمّة أصلا، و لم يقبحه أحد، فمن أين لو تركت مظنونك تصير للقبح موردا؟! بل نقول: هذا كيف هو قبيح عقلي و قد أمر الشارع الحكيم بارتكابه في موارد عديدة؟! منها الظن الحاصل من القياس، فأمر بتركه، و منع عن العمل بالراجح.
و تصدّى بعض الطلبة في ذلك المقام لرد كلامي هذا بعد ما رآه كلاما عجيبا، قال: نمنع حصول الظن من القياس و نحوه بكون مقتضاه حكم اللّه بالنسبة إلى من دل الدليل القطعي على حرمة عمله به، و إن كان الحكم الواقعي مظنونا بواسطته، فمثل القياس و الأدلة المانعة من العمل به، كمثل قول الطبيب العالم الرؤوف العادل، إذا قال: إن المقدار الكذائي من هذا السم مقتض لهلاك شاربه، مع قوله لشخص: اشربه، فكما أن من قوله الأول يحصل الظن بهلاك هذا المأمور بشربه، و من قوله الثاني يرتفع ذلك الظن، و يكشف أمره بالشرب بضميمة عدم إرادة إهلاكه عن كون مزاجه غير سائر الأمزجة، أو إخباره برفع أذيته عنه، لقدرته على ذلك، فكذلك القياس، و الأدلة المانعة [١].
أقول أولا: إنه إن كان غرضك أن من القياس- مع قطع النظر عن منع الشارع- لا يحصل الظن بحكم اللّه، فأي ضرورة في ذلك الطول و التفصيل؟ بل يكفيه أن يقول: لم يكن يحصل الظن من القياس أبدا، و ظاهر أن ذلك مما لا يقول به أحد، و حصول الظن بالواقع من كثير من أفراد القياس بديهي.
و إن كان غرضه أنّ مع ملاحظة منع الشارع لا يحصل الظن منه، فلا مضايقة فيه، و لكنا لم نقل: لم لا تعمل بالقياس، حتى تجيب بذلك، بل قلنا: إنه لو كان ترك المظنون قبيحا، لم أمر الشارع به في القياس، و منع عن العمل بالراجح؟ و كلامنا على منع الشارع لا على عدم علمك.
[١] لم نعثر على قائله.