عوائد الأيام في بيان قواعد الأحكام - النراقي، المولى احمد - الصفحة ٣٧١ - أما الأول بقاء التكاليف زائدا على القدر المعلوم
و التحريم و أحوالهما المتعدية الفعلية، فيقال: أوجب فوجب، و حرّم فحرم، و هكذا، فلا وجوب ما لم يتحقق إيجاب، و لا حرمة ما لم يتحقق تحريم، و هكذا البواقي.
ثم طلب الشيء عبارة عن إظهار محبوبيته، فما لم يتحقق الإظهار بنحو من الأنحاء- و لو بالعقل أو العادة أو غيرهما- لم يتحقق الطلب، و ما لم يتحقق الطلب، لم يتحقق الوجوب و الحرمة و أخواتهما و إن كان الفعل في الواقع محبوبا فعله أو تركه، مع مبغوضية النقيض أو عدمها.
فإنّ المولى إذا اشترى عبدا، و لم يأمره بعد بشيء، و لم يحكم له بحكم، ليس شيء واجبا عليه و لا حراما، إلى آخر الأحكام، إلّا ما كانت محبوبيته أو مبغوضيته أو تساويه معلوما للعبد بالعقل أو العادة، فإنهما أيضا لسانان للمولى.
فلمّا كان كذلك، فلو كان الجلوس في بيت معيّن محبوبا للمولى واقعا، مبغوضا تركه، و لكن لم يبيّنه بعد للعبد، لا يقول أحد: إنه أوجبه عليه، أو واجب عليه.
و هذا ظاهر جدا، و يكفيك في ذلك كون تلك الأحكام أحكاما و هو من مقولة الأفعال، حيث إنّ الحكم عبارة عن التصديق، فلا يتحقق الحكم إلّا بفعل من الحاكم.
و بعد تلك المقدمة، يظهر لك: أنّ الواجب و المباح و أخواتهما هو ما بيّن اللّه سبحانه وجوبه أو إباحته- مثلا- و قرّره لنا، و أما مجرّد الرضى بالفعل و عدم السخط عليه من دون بيان ذلك أصلا، فليس حكما و لا تكليفا.
ألا ترى أن اللّه سبحانه محيط بجميع أفعال الحيوانات و الأطفال و المجانين، و من لم يسمع بشريعة أصلا، و بأفعال الناس قبل البعثة، بل بسكنات الجمادات، و لا يخلو: إمّا راض بها أو لا- إلى آخر ما قيل [١]- مع أنهم ليسوا بمكلفين،
[١] في «ب»: ما قبله. و المراد: إلى آخر ما قاله المستشكل أو ما قبله في الإشكال المتقدم.