عوائد الأيام في بيان قواعد الأحكام - النراقي، المولى احمد - الصفحة ٦٨٨ - التاسع إجماع جمع من العلماء كاشف اتفاقهم عن وجود الحجة العلمية القاطعة للعذر
كاشف اتفاقهم عن وجود الحجة العلمية القاطعة للعذر، الموافقة لرأي الحجة عادة، فيقال: إنّ اتفاق العلماء الثقات الأعلام على حكم من الأحكام- مع كونهم من الأزكياء الأتقياء، أرباب النفوس القدسية، الباذلين جهدهم طول دهرهم في تحصيل المسائل الدينية و معرفة الأحكام الشرعية، مع شدة اختلافهم في الأصول و الفروع، و تباين أنظارهم و أطوارهم في إدراكها و استنباطها، و كثرة تجديدهم النظر فيها، و ادّعاء كثير منهم عدم العمل إلّا بما يوجب العلم و اليقين، و قرب عهد قدمائهم بأئمتهم و أصحابهم الآخذين أحكامهم منهم، و زيادة اطّلاعهم على الأخبار- يوجب القطع بحكم العادة و الحدس بأنه حكم اللّه المأخوذ من الحجج، أو مستنبط من الأدلة القطعية الموافقة لرأيهم.
و أنه ما دعاهم إلى الإجماع مع كثرة ما بينهم من الاختلاف و النزاع إلّا بلوغ الحكم و دليله من الظهور بحيث لا يقبل الارتياب.
و قد تستتم هذه الطريقة بنظير ما يقال في الخبر المتواتر: من حصول الظن من كل واحد واحد إلى أن ينتهي إلى القطع من تراكم الظنون و اجتماعها.
و لا يخفى أنّ هذه الطريقة بعينها الطريقة السابقة عليها، إلّا أنّ مبني السابقة على إدخال المعصوم أو قوله في أقوال المجمعين، و مبني هذه الطريقة على أصول الحجة القاطعة.
و هذا هو مراد من فرّق بينهما، بأنّ مبني هذه الطريقة على حكم الحدس و العادة بسبب شدة الاهتمام و مزيد الفضل و الورع و تباين الأنظار، و مبني السابقة على حكم الحدس و العادة بواسطة اتصال الأخذ و التناول و اقتضاء التابعية و المتبوعية إلى أن يصل إلى صاحب الشرع.
و لذا يقال في تقرير الاولى: إنّ حصول العلم باتفاق الطبقة الأولى طريق إلى حصوله بالنسبة إلى الثانية، و هكذا إلى أن يصل إلينا بتلقّي المتأخر من المتقدّم، و وصوله من كل طبقة إلى ما بعدها، و أخذ اللاحق يدا بيد و خلفا عن سلف.