عوائد الأيام في بيان قواعد الأحكام - النراقي، المولى احمد - الصفحة ٢٦٣ - ذكر الأخبار التي استدلوا بها على القاعدة و البحث في حجيتها و دلالتها
و الثالث: أن تكون لفظة «من» مرادفة للباء، فإنه من معانيها المشهورة، و قد ذكره الجوهري و ابن هشام [١] و غيرهما [٢]، و تكون لفظة «ما» مصدرية زمانية، كما قالوا في قوله سبحانه فَاتَّقُوا اللّٰهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [٣] و يكون المعنى: فأتوا به ما دامت استطاعتكم.
و الرابع: أن تكون لفظة «من» بيانية، إما بيانا للمأتي، كما قاله ابن هشام في قوله سبحانه يُحَلَّوْنَ فِيهٰا مِنْ أَسٰاوِرَ [٤] حيث جعل لفظة «من» بيانية لما يحلى به [٥]، و تكون «ما» مصدرية زمانية أيضا، أو بيانا للموصول، و يكون المعنى:
فأتوا ما استطعتم منه بعضا أو كلا.
و دلالته على مطلوبهم إنما هو إذا كان معنى الحديث أحد الاحتمالين الأولين، أو الشق الثاني من الأخير، و هو غير معلوم.
فإن قلت: المعنى الثالث يوجب جعل «من» بمعنى الباء، و هو مجاز خلاف الأصل، و جعل «ما» مصدرية، و هو أيضا خلاف الأصل، لأن الأصل في «ما» أن تكون غير مصدرية، و أيضا تأويل الفعل بالمصدر خلاف الأصل.
و أيضا على الثالث بل الرابع يكون مقتضى الحديث: وجوب الإتيان بالمأمور به، و عدم جواز تركه، و هذا ليس إلّا تأكيدا للإيجاب الثابت من الأمر، و التأسيس أولى من التأكيد.
قلنا: لو سلّمنا تجوّز لفظة «من» في مرادفة الباء، و لفظة «ما» في المصدرية، و كون «من» حقيقة في التبعيض أيضا، فنقول: المجاز لازم على الأولين أيضا، إذ يجب أن يكون المعنى: إذا أمرتكم بشيء و لم يتيسر الإتيان بالكل، فأتوا بعضه
[١] الصحاح ٦: ٢٢٠٩، مغني اللبيب ١: ٣٢١.
[٢] كالطريحي في مجمع البحرين ٦: ٣٢٠.
[٣] التغابن ٦٤: ١٦.
[٤] الكهف ١٨: ٣١.
[٥] مغني اللبيب ١: ٣١٩.