تحقيق الأصول - الحسيني الميلاني، السيد علي - الصفحة ١٢ - الرأي المختار
جميع المباني في حقيقته- إنّما هو لجعل الدّاعي و للتحريك نحو المتعلّق بحيث يصدر المتعلّق عن إرادة المكلّف، و من الواضح أنّ ما يقصد إعمال الارادة فيه في باب النّهي هو التّرك و عدم الفعل، و لا نظر إلى إعمال الإرادة في الفعل كما لا يخفى جدّا، و هذا يقتضي أن يكون المولى في مقام تحريك المكلّف نحو ما يَتعلّق به اختياره و هو التّرك، و يكون في مقام جعل ما يكون سبباً لإعمال إرادة المكلّف في التّرك، فواقع النّهي ليس إلّا هذا المعنى و هو قصد المولى و إرادته تحريك المكلّف و إعمال إرادته في التّرك.
و هذا كما يمكن أن ينشأ بمدلوله المطابقي و هو طلب الترك، كذلك يمكن أن ينشأ بمدلوله الالتزامي و هو الانزجار عن الفعل، فإنّه لازم ارادة ترك العمل، و هو في باب النّهي منشأ بمدلوله الالتزامي بعكسه في باب الأمر فإنّه منشأ بمدلوله المطابقي، فالمنشأ في باب النّهي إرادة الترك بمفهوم المنع و النّهي، و ليس المنشأ هو نفس المنع عن الفعل، لأنّه غير المقصود الأوّلي و أجنبي عمّا عليه واقع المولى.
و أمّا دعوى: أنّه ليس في الواقع سوى كراهة الفعل تبعاً لوجود المفسدة فيه دون إرادة التّرك، فهي باطلة، فإنه كما هناك كراهة للفعل كذلك هناك إرادة و محبوبيّة للتّرك، و يشهد لذلك الأفعال المبغوضة بالبغض الشّديد، فإنّ تعلّق المحبوبيّة بتركها ظاهر واضح لا إنكار فيه، كمحبوبيّة الصحة التي هي في الحقيقة عدم المرض و نحو ذلك.
و أمّا تمييز الواجب عن الحرام، فليس الضّابط فيه ما هو المنشأ و ما هو متعلّق الإرادة أو الكراهة، بل الضّابط فيه ملاحظة ما فيه المفسدة و المصلحة، فإن كان الفعل ذا مفسدة كان حراماً و إن كان المنشأ طلب الترك، و إن كانت المصلحة